الجواب :
الحمد لله
أولاً :
نحتاج منك أن تخفف حدتك في الكلام ، وتهون على نفسك ، فلسنا نحن الذين أشرنا عليك
بدخول الجامعة ، ولا دراسة ذلك التخصص ، ولا نحن الذين فرضنا هذه المناهج ، ولا نحن
الذين أغرينا البنوك والشركات والأفراد بالتعامل بالربا ، وكان عليك أن تنظر أولاً
أين تضع رجلك ثم تضعها، فكان عليك أن تسأل هذا السؤال قبل دخول الجامعة وتحديد
التخصص .
ومع
غضبك الواضح في رسالتك : إلا أننا أحببنا فيك حرصك على الالتزام بالحكم الشرعي ،
وإلا فما الذي يجعلك تراسل موقع فتاوى لتسأله عن حكم عملك المستقبلي لولا أنك تريد
طيب المكسب ، وحِلَّ اللقمة ؟ فنرجو أن لا يخيب ظننا بك أنك تريد الحق ، وتبحث عن
مصدرٍ للكسب الحلال .
ثانياً :
نعم
، نحن متأكدون من تحريم العمل في البنوك الربوية – في جميع أقسامها - ، فلا يحل
لمسلم أن يعمل في بنك ربوي ، ولو كان يعمل حارساً للبنك .
وانظر جوابي السؤالين : (26771)
و (21113)
.
ولبيان حكم العمل محاسباً في الشركات والمصانع : انظر جوابي السؤالين : (112175)
و (103181)
.
ومما يدعو للأسف والحزن أن كل من تخرَّج من مثل تخصصك لا يجد عملاً حلالاً بسهولة ؛
وذلك لكثرة وجود الربا في قطاعات كثيرة من أماكن العمل ، حكومية كانت ، أو خاصة .
وليست دراستك الجامعية بعذر لك حتى تباشر عملاً محرَّماً ، فالواجب على المسلم أن
يعتني ويهتم بأن يكون كسبه حلالاً لأن (كل جسد نبت من حرام فالنار أولى به) كما قال
النبي صلى الله عليه وسلم .
ولنذهب معك إلى أسوأ ما تتوقعه أنت : فلتذهب تلك الشهادات أدراج الرياح ، والمهم
أننا لا نغضب ربنا تعالى في أعمالنا ، ولا نكسب اللقمة الحرام .
والإنسان إذا ترك الدنيا كلها ـ لو كانت له ـ وفاز بجنة الخلد ، فهو بمنزلة من ترك
حجراً لا قيمة له ، وأخذ جوهرة هي أثمن وأنفس ما يكون ، فهل يحق لهذا أن يحزن على
ما تركه من الدنيا؟
ومع
هذا ، فهناك مجالات للعمل المباح بشهاداتك ، فهناك "القنوات الفضائية الإسلامية"
وهناك "البنوك الإسلامية" وهناك الشركات والمصانع والمؤسسات التي يملكها أهل
الاستقامة ممن يتحرون الحلال في أعمالهم – وهم كثر ولله الحمد - ، كما يمكنك العمل
في " محل للصرافة " ، .... إلخ . وهكذا في أعمال مباحة مثلها ، لا تخرج عن تخصصك ،
ولا تضيع عليك سنوات دراستك في الجامعة .
ثالثاً :
قولك "أم أنه يتوجب عليَّ بعد هذه السنوات من الدراسة أن أعمل نادلاً في أي مقهى" :
يستحق وقفة معه .
فأهل الاستقامة يبحثون عن الأعمال المباحة ، ولا تستهويهم المناظر والمظاهر على
حساب دينهم والتزامهم بأمر ربهم تعالى ، فربَّ عامل في محطة "بنزين" ، أو "كهربائي"
سيارات ، أو "سائق أجرة" أقرب إلى الله من كثير ممن يجلس على مكتب "رئيس مجلس
إدارة" ، أو مكتب "مدير" ، أو حتى "رئيس" ، ودينار يكسبه أولئك من أعمالهم الحلال
خير وأبرك من آلاف الدنانير التي يكسبها غيرهم ممن رضي العمل في وظيفة محرَّمة ،
فالعبرة بما يرضاه الله ويبارِك فيه ، لا بما يَرضاه لك الناس ، ويثنون عليك به ،
ولو كان مسبِّباً لسخط ربك ، ولهذا لا تعجب إن علمتَ أن هناك أئمةً وعلماء في دين
الله تعالى عُرفوا بمهنهم وأعمالهم ، فمنهم من عمل في صناعة الأحذية ! "الإسكافي" ،
ومنهم من عمل في تجارة الزيت ، بل أنبياء الله ورسله وهم أشرف البشر ، كانوا يعملون
ليأكلوا من كسب أيديهم ، فزكريا عليه السلام كان نجاراً ، وداود عليه السلام ـ مع
ما كان فيه من الملك ـ كان حداداً .
بل
ما من نبي إلا رعى الغنم ، كما روى البخاري (2143)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ)
فَقَالَ أَصْحَابُهُ : وَأَنْتَ ؟ فَقَالَ : (نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى
قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ) .
وقد
حث الرسول
صلى
الله عليه وسلم أن يأكل الإنسان من عمل يده ، روى البخاري ( 1966 ) عَنْ
الْمِقْدَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ : (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ
مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ
يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) .
وقد ألَّف العلماء في بيان المكاسب الحلال ، والحث عليها ، والتحذير من الكسب
الحرام مؤلفات كثيرة ، منها : كتاب "الكسب" للإمام محمد بن الحسن الشيباني ، وكتاب
"الحث على التجارة والصناعة والعمل والإنكار على من يدعي التوكل في ترك العمل"
للإمام الخلاَّل ، وكتاب "البركة في فضل السعي
والحركة " للإمام أبي عبدالله محمد بن عبيد الرحمن الوصابي الشافعي ، وكتاب " تخريج
الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحِرف
والصنائع والعمالات الشرعية" لأبي
الحسن الخزاعي التلمساني ، وكلها مطبوعة .
ولمعرفة جملة كبيرة من العلماء نسبوا إلى حرفة أو مهنة : انظر كتاب "الطرفة فيمن
نُسب من العلماء إلى مهنة أو حرفة" تأليف عبد الباسط بن يوسف الغريب .
وللوقوف على أنواع المكاسب المحرَّمة ، وما هي مصادر كسب الصحابة ؟ وما أفضلها ؟ :
انظر جواب السؤال رقم : (107144)
.
والحاصل :
إما
أن تعمل بشهادتك في مجال مباح ، أو في غير مجالها – وكثيرون يفعلون ذلك – وهو مجال
رحب واسع .
ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى ، وأن ييسر لك عملاً حلالاً طيبا مباركاً
فيه .
والله أعلم