الجواب :
الحمد لله
من
يطلع على موروثات الأمم السابقة يجد مِن بينها مَن يعتقد في القمر تأثيراً بالغاً ،
وخاصة إن كان مكتملاً ، وذلك التأثير في سلوك العنف ، والإجرام ، والتسبب في نوبات
الصرع ، وتأثيره في خصوبة المرأة ، وغيرها .
ومن
يطلع على بعض البحوث المعاصرة يجد تأييداً لتلك الموروثات من قبَل بعض الأطباء
والباحثين ، ويؤيدون ذلك في أبحاثهم ، حتى غدا ذلك - عند كثيرين - عقيدة لا تتزحزح
، وقناعة لا يُشك فيها .
وقد
تتبع الدكتور حسن محمد صندقجي حفظه الله "استشاري أمراض الباطنية والقلب في مركز
الأمير سلطان للقلب في الرياض" تلك الدراسات المثبتة لذلك التأثير ، ونقل أسماء
القائلين بها ، ومراكزهم العلمية ، ثم ذكر الدراسات التي ترد على تلك السابقة ،
والتي تُبين خطأها ، وعوارها ، وأيَّدها ، وبيَّن أنها هي الصواب .
قال
الدكتور حسن محمد صندقجي – وفقه الله - :
وكان الدكتور " إيفان كيلي " الباحث النفسي بجامعة " ساسكاتشوان " في " ساسكاتون "
قد تعمق في بحث موضوع القمر وتأثيراته على حياة الناس ، ونشر أكثر من 15 بحثاً
طبيّاً نفسيّاً عن هذا الموضوع ، وراجع أكثر من 200 دراسة علمية طبيَّة عن علاقة
القمر بحياة الناس النفسيَّة ، والصحيَّة ، وعبَّر عن رأيه الصريح في الأمر برمته
قائلاً : " رأيي الشخصي هو أن الادِّعاء بوجود تأثيرات لاكتمال القمر بهيئة البدر
لم يثبت علميّاً ، والدراسات التي تم إجراؤها لم تكن نتائجها متوافقة ، ومنضبطة ،
ولكل دراسة إيجابية في نتائجها : هناك دراسة أخرى سلبيَّة النتائج ، تُقابلها ،
وتُلغيها " .
...
.
وتساءل الدكتور " إيريك تشدلر " ، الباحث النفسي بجامعة " واشنطن " في " سياتل "
بالولايات المتحدة بالقول : " هل من الممكن أننا – كثقافة - نُحب الفكرة القائلة
بوجود قوة غامضة مُؤثرة للقمر على الأحداث في حياتنا ؟! وأننا بالتالي ندعم تلك
الخرافة إلى الأمام ، وقُدماً ، لأننا نُريد إثبات ذلك ، بأي شكل ؟! " .
وأضاف : " حينما يحصل أمر غير معتاد ، ويكون القمر آنذاك بَدْراً : فإن الناس عادةً
ما يُلاحظون ظهور القمر بهيئته المكتملة ، ويلومونه في التسبب بحصول تلك الأمور .
وعلق الدكتور " سكوت براندهورست " الباحث النفسي في " روبرت ميوري كلينك " التابع
لمؤسسة " فورست " بالولايات المتحدة على الموضوع بالقول : " إنها واحدة من الخرافات
myths
التي استمرت بالحضور بقوة عبر الأجيال المتعاقبة ، ونحن – كمجتمع - لا نزال نستخدم
اكتمال القمر لتعليل سلوكيات الناس " .
وفي
عدد شتاء عام 1986 من مجلة البحث عن حقائق الشكوك Skeptical
Inquirer
، صدر تقرير " الهيئة العلمية للتحقيق في مزاعم الأمور الخارقة للعادة "
CSICO
، الذي تفحص بالتحليل نتائج العديد من الدراسات العلمية التي تناولت بالبحث علاقة
مراحل ظهور القمر lunar phases
بالتصرفات غير الطبيعية ، وأعطى هذا التقرير رأيه في الأسباب التي لا تزال تجعل
الكثيرين يستمرون في الاعتقاد بتأثيرات مراحل القمر ! .
...
.
ووفق ما قاله التقرير صراحة : " وفي 23 دراسة تم فحص نتائجها : تبيَّن أن في نصفها
تقريباً - وعلى أقل تقدير - خطأ ، أو خطأين ، في طريقة البحث العلمي ، وبتصحيح تلك
الأخطاء المنهجية في البحث ، وبالعودة إلى النتائج الأصلية لتلك الدراسات : فإننا
لم نجد أن هناك علاقة ثابتة ومتوافقة بين مراحل القمر وبين تلك التصرفات غير
الطبيعية من الناس ، والتي تُوصف عادة بأنها نتيجة لتأثيرات القمر عليهم " .
وقال العلماء في تقريرهم : " إن كانت البراهين العلمية تقول لنا بأنه لا تُوجد تلك
التأثيرات المزعومة للقمر : فلماذا تستمر فرضية " القمر المكتمل " بين الناس ؟ " .
وأجابوا : " بأن هناك ثلاث عوامل تؤدي إلى استمرار ذلك المعتقد ، وهي : انحدار
مستوى التقارير الإعلامية ، وضحالة المعرفة بعلم الفيزياء الطبيعية ، والانحياز ،
والميل لدى بعض المتخصصين في علم النفس " .
...
.
وكان الباحثون من مركز علوم الصحة بجامعة " جنوب فلوريدا " قد ذكروا في عام 2004 ،
ضمن مراجعاتهم العلمية لعلاقة اكتمال البدر بالأمراض العضوية : أن هناك العديد من
الدراسات الطبية التي حاولت فهم العلاقة بين أطوار ظهور القمر وبين الإصابات بنوبات
الجلطات القلبية ، ومعدل الولادات ، ومحاولات الإقدام على الانتحار ، وارتفاع
الحاجة للدخول إلى المستشفيات نتيجة تهيج حالة المرضى النفسيين ، ونوبات الصرع
التشنجي ، وأكدوا على أن نتائج تلك الدراسات : لم تجد علاقة تُذكر بين مراحل ظهور
القمر ، وبين حصول تلك الحالات المرضية . انتهى .
جريدة " الشرق الأوسط " ، الأحـد 11 شـوال 1429 هـ ، 12 اكتوبر 2008 ، العدد 10911
.
وقد
نصَّ الدكتور حسن محمد صندقجي – وفقه الله - على ما ورد في السؤال من تأثير القمر
على خصوبة المرأة ، فقال :
لا
علاقة بين القمر ومفاجآت الحمل والولادة
هناك مَن يعتقد بأن ثمة علاقة بين وقت حصول تلقيح البويضة الأنثوية بالحيوان المنوي
الذكري بالنسبة لدورة القمر الشهرية وبين جنس المولود ، وكذلك بين وقت الولادة وبين
مراحل دورة القمر الشهرية ، وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالحمل ، والولادة ، وعلى
سبيل المثال ، ذكر " كيرتس جاكسون " - مدير المستشفى البروتستانتي لجنوبي "
كاليفورنيا " - بأن احتمالات الحمل ترتفع حينما تتلاقى البويضة مع الحيوان المنوي
في أيام أوقات ظهور القمر ، مقارنة بأيام أوقات المحاق وتضاؤل حجم قرص القمر ،
وتوصل إلى هذه الملاحظة بعد متابعته أكثر من أحد عشر ألف حالة حملٍ حصلت خلال بحر
ست سنوات .
والأكثر غرابة من هذا : ما لاحظه الباحثون الألمان بعد متابعة أكثر من 33 ألف حالة
ولادة ، حيث توصل الدكتور " بيوهلر " إلى أن احتمالات الحمل بمولود ذكر ترتفع في
أيام ظهور القمر في حجم مكتمل .
والواقع : أن الدراسات الأحدث ، والأدق ، لمجموعات من الباحثين الطبيِّين ، لاحظتْ
أن لا علاقة بين الأمْرين ، وعلى سبيل المثال : أشارت دراسة الباحثين من " كارولينا
الشمالية " ، والمنشورة ضمن عدد مايو 2005 من المجلة الأميركية لطب النساء والتوليد
: أن نتائج المراجعة العلمية لحالات أكثر من 500 ألف مولود لا تدل البتة أن هناك
صلة بين وقت الولادة من جهة وبين مراحل دورة القمر الشهرية ، وفق ما قالته الدكتورة
شيللي غالفن ، الباحثة المشاركة في الدراسة . انتهى .
جريدة " الشرق الأوسط " ، الأحـد 11 شـوال 1429 هـ ، 12 اكتوبر 2008 ، العدد 10911
.
والله أعلم