الحمد لله
كتب الله تعالى على هذه الدنيا
الفناء ، وكتب على أهلها الموت ، قال تعالى { كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو
الجلال والإكرام } الرحمن / 26 ، 27 ، وقال تعالى { كل نفس
ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون } العنكبوت / 75 .
ثم يبعث الله تعالى العباد ويحييهم حياة
أبدية لا نهاية لها ، ويحاسبهم على أعمالهم فيجازي المحسن بإحسانه ، والمسيء على
إساءته ، فينقسم الخلق قسمين فريق في الجنة ، وفريق في السعير ، فأهل الجنة خالدون
فيها أبداً ، وأهل النار من الكفار خالدون فيها كذلك أبداً .
وقد جاءت الآيات والأحاديث الصحيحة
مصرِّحة بهذا ، ومنها :
1- قال تعالى : { والذين آمنوا وعملوا
الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً لهم فيها أزواج
مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا } النساء / 57 .
قال الطبري :
{ خالدين فيها أبداً } : يقول : باقين
فيها أبداً ، بغير نهاية ولا انقطاع ، دائم ذلك لهم فيها أبداً .
" تفسير الطبري " ( 5 / 144 ) .
2 - وقال : { قال الله هذا يوم ينفع
الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم
ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم } المائدة / 119 .
3- وقال : { إن الذين كفروا وظلموا
لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً وكان
ذلك على الله يسيراً } النساء / 169 .
4- وقال : { إن الله لعن الكافرين
وأعد لهم سعيراً . خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيراً } الأحزاب /
64 ، 65 .
5 - وقال تعالى : ( إِلا بَلاغًا
مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ
جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ) الجن / 23
قال ابن كثير :
{ خالدين فيها أبداً } : أي : ماكثين
مستمرين ، فلا خروج لهم منها ، ولا زوال لهم عنها .
" تفسير ابن كثير " ( 3 / 520 ) .
6- وأخبر الله تعالى عن الكفار أنهم
لن يموتوا في النار ولن يحيون حياة طيبة ، فقال : { إنه من يأت ربه مجرما فإن له
جهنم لا يموت فيها ولا يحيا } طه / 74 ، وقال { ثم لا يموت
فيها ولا يحيا } الأعلى / 13 .
قال القرطبي :
{ ثم لا يموت فيها ولا يحيى } : أي : لا
يموت فيستريح من العذاب ، ولا يحيا حياة تنفعه .
" تفسير القرطبي " ( 20 / 21 ) .
7-وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد : يا
أهل الجنة فيشرئبون وينظرون ، فيقول : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم هذا الموت ،
وكلهم قد رآه ، ثم ينادي : يا أهل النار فيشرئبون وينظرون ، فيقول : هل تعرفون هذا؟
فيقولون : نعم هذا الموت ، وكلهم قد رآه ، فيذبح ، ثم يقول : يا أهل الجنة خلود فلا
موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت ، ثم قرأ { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم
في غفلة } وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا { وهم لا يؤمنون } .
رواه البخاري ( 4453 ) ومسلم ( 2849 ) .
وفي رواية ابن عمر في البخاري (6182)
ومسلم ( 2850 ) : " فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم ، ويزداد أهل النار حزناً إلى
حزنهم " .
قال ابن القيم :
وهذا الكبش والإضجاع والذبح ومعاينة
الفريقين ذلك : حقيقة ، لا خيال ولا تمثيل كما أخطأ فيه بعض الناس خطا قبيحا ، وقال
: الموت عرَض ، والعرَض لا يتجسَّم فضلا عن أن يذبح .
وهذا لا يصح ؛ فان الله سبحانه ينشئ من
الموت صورة كبش يذبح ، كما ينشئ من الأعمال صوراً معاينة يثاب بها ويعاقب ، والله
تعالى ينشئ من الأعراض أجساماً تكون الأعراض مادة لها ، وينشئ من الأجسام أعراضاً ،
كما ينشئ سبحانه وتعالى من الأعراض أعراضاً ، ومن الأجسام أجساماً ، فالأقسام
الأربعة ممكنة مقدورة للرب تعالى ، ولا يستلزم جمعاً بين النقيضين ، ولا شيئاً من
المحال ، ولا حاجة إلى تكلف من قال إن الذبح لملك الموت ، فهذا كله من الاستدراك
الفاسد على الله ورسوله والتأويل الباطل الذي لا يوجبه عقل و لا نقل و سببه قله
الفهم لمراد الرسول ..
" حادي الأرواح " ( ص 283 ، 284 ) .
8- وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال : " يدخل أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النارِ النارَ ، ثم يقوم
مؤذن بينهم : يا أهل النار لا موت ، ويا أهل الجنة لا موت ، خلود " .
رواه البخاري ( 6178 ) ومسلم ( 2850 ) .
9- وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال : ينادي مناد ( يعني في أهل الجنة ) إن لكم أن تصحوا
فلا تسقموا أبداً ، وإن لكم أن تحيَوا فلا تموتوا أبداً ، وإن لكم أن تشِبُّوا فلا
تهرموا أبداً ، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً ، فذلك قوله عز وجل { ونودوا أن
تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } .
رواه مسلم ( 2827 ) .
فبادر أيها المسلم بالأعمال الصالحة في
هذه الدنيا ، فإنها أيام قلائل ثم تنتقل إلى حياة الأبد ، فإما إلى جنة نعيمها لا
ينفد ، وإما إلى نار حرها إلى الأبد .. فالبدار البدار وإياك والتسويف فإن أكثر
صياح أهل النار من سوف .
جعلنا الله وإياك من أهل الجنة آمين .