السؤال:
في الصغر كان آباؤنا ينهوننا عن شمِّ النعمة ( الأطعمة والمشروبات ) ، وكانوا يقولون : إنَّ شَمَّ النعمة حرام ... ومن فترة نهيت أحد الأخوة عن شم النعمة ، فقال لي : لا تُفتي عليَّ ، إذا عندك دليل ائتني به ، فما ردكم على سؤالي ؟
الجواب :
الحمد لله
جاء النهي في الشريعة عن التنفس في الإناء ، وكذا عن النفخ في الشراب .
عن أبي قتادة رضي الله عنه أَنَّ النّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ : (
نَهَى أَن يُتَنَفَّسَ فِي الإِنَاءِ ) رواه
البخاري (5630) ومسلم (267)
والمقصود هو النهي عن النفخ بما في الإناء من طعام أو شراب .
يقول الشوكاني في "نيل الأوطار" (8/221) :
" الإناء يشمل إناء الطعام والشراب "
انتهى .
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله "فتح الباري" (10/92) :
" وجاء في النهي عن النفخ في الإناء عدة أحاديث ، وكذا النهي عن التنفس في الإناء ؛
لأنه ربما حصل له تَغَيُّرٌ من النَّفَسِ ، إما لكون المتنفِّسِ كان متغيِّرَ الفم
بمأكولٍ مثلا ، أو لبُعدِ عهده بالسواك والمضمضة ، أو لأن النَّفَس يصعد ببخار
المعدة ، والنفخ في هذه الأحوال كلها أشد من التنفُّس "
انتهى .
يقول الشيخ ابن عثيمين في "شرح رياض الصالحين" (2/454) :
" والحكمة من ذلك أن النَّفَسَ في الإناء مستقذر على من يشرب من بعده ، وربما تخرج
مع النَّفَسِ أمراض في المعدة أو في المريء أو في الفم ، فتلتصق بالإناء ، وربما
يشرق إذا تنفَّسَ في الإناء ، فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتنفَّسَ
الإنسان في الإناء ، بل يتنفَّس ثلاثة أنفاس ، كل نَفَسٍ يبعد فيه الإناء عن فمه "
انتهى .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( نَهَى عَنِ
النَّفخِ فِي الشَّرَابِ ) رواه الترمذي
(1887) وقال : حديث حسن صحيح . وصححه ابن القيم في "إعلام الموقعين" (4/317)
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله "شرح رياض الصالحين" (2/457) :
" وذلك لأن الإنسان إذا نفخ ربما يحصل من الهواء الذي يخرج منه أشياء مؤذية أو ضارة
، كمرض ونحوه ، إلا أن بعض العلماء استثنى من ذلك ما دعت الحاجة إليه ، كما لو كان
الشراب حارا ويحتاج إلى السرعة ، فرخص في هذا بعض العلماء ، ولكن الأَوْلَى ألا
ينفخَ ، حتى لو كان حارًّا ، إذا كان حارًّا وعنده إناء آخر ، فإنه يَصبُّه في
الإناء ، ثم يعيده مرة ثانية حتى يبرد "
انتهى .
فلما عُرِفَتِ العلة للنهي عن النفخ أو التنفس في الإناء ، قاس العلماء عليها كل ما
يؤدِّي إلى تلويث الطعام والشراب .
فقال الشوكاني في"نيل الأوطار" (8/221) :
" وكما لا يتنفس في الإناء لا يَتَجَشَّأُ فيه "
انتهى
. والتَّجَشُّأُ : تنفُّسُ المعدة عند
الامتلاء "لسان العرب" (1/48).
وأما عن حكم شمِّ الطعام أو الشراب ، فإن كان شمُّ الطعام أو الشراب بطريقةٍ يصيب
فيها الطعامَ شيءٌ من النَّفَسِ الخارج من الأنف ، فيُنهَى عنه حينئذ ، أما إن لم
يأته شيء من النَّفَسِ ، وإنما أراد معرفة رائحة هذا الطعام وتمييزها ، فلا بأس
بذلك ، على أن اقتراب الفم من الطعام أو الشراب كثيرا ، غالبا ما يصاحبه شيء من
النَّفَسِ الخارج من الأنف ، لذلك كره بعض الفقهاء شَمَّ الطعام .
جاء في رد المحتار – من كتب الأحناف - (6/340) :
" ولا يأكل الطعام حارا ، ولا يَشُمَّه "
انتهى .
ونحوه في "مغني المحتاج" (4/412) من كتب الشافعية .
أما من أراد أن يَشُمَّ دخان الطعام الخارج منه عن بُعدٍ لِحاجة ، أو حَرص على ألا
يصيبَ شيءٌ من نَفَسِه الطعام أو الشراب ، فقد انتفى في حقه المحذور إن شاء الله
تعالى.
وليتأمل المسلم كم حرصت الشريعة على تعليم المسلم آداب المعيشة كلها ، حتى في أمور
طعامه وشرابه ، وليتأمل كم في كتب فقهائنا رحمهم الله من تعليم الأدب والنظافة ، ثم
لينظر : هل على الأرض دين أو فكر جاء بالسمو الذي جاء به ديننا ، فالحمد لله رب
العالمين .
والله أعلم .