الجواب:
الحمد لله
أولاً:
أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأصهاره خيراً ، وهذا من عظيم أخلاق الإسلام ، ومع
كون أصهار المسلم ليسوا من أرحامه ، إلا أنه بسبب عقد الزوجية جُعل لأهل زوجته حق
عليه بالعناية بهم ورعايتهم .
عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
: ( إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ ،
فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا ، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً
وَرَحِماً - أَوْ قَالَ : ذِمَّةً وَصِهْراً - ) .
رواه مسلم ( 2543 ) .
قال
النووي – رحمه الله - :
وأما الذمَّة : فهي الحرمة ، والحق ، وهي هنا بمعنى الذمام ، وأما الرحم : فلكون
هاجر أم إسماعيل منهم ، وأما الصهر : فلكون مارية أم إبراهيم منهم .
"
شرح مسلم " ( 16 / 97 ) .
وكما نلحظ فإن الحديث ليس فيه الوصية بأهل الزوجة مباشرة ، بل بأهل بلدها ، بل لم
تكن مارية رضي الله عنها زوجة للنبي صلى الله عليه ، بل كانت أمَته ، وأم ولده
إبراهيم ، فالوصية بأهل الزوجة مباشرة أولى بالاهتمام والعناية .
ثانياً:
مع
هذا فإن على المسلم أن يراعي حرمة الشرع ، وأحكامه ، وأنه إن كانت صلته بأهل زوجته
مما يسبب له فتنة لنفسه ، أو فساداً لزوجته وأولاده ، أو طعناً في دينه وعرضه : فإن
عليه أن يحتاط لذلك ، ويجب عليه السعي نحو الحفاظ على ما أولاه الله تعالى من
مسئوليات ، ولو كان في ذلك قطع للعلاقة مع أهل زوجته المفسدين ، أو هجر لهم بسبب
خوفه على نفسه أو على زوجته وأولاده .
والذي يظهر لنا من خلال سؤالك أخي السائل أن بيت أصهارك ليس مما ينبغي لك الأسف
عليه إن استمر حالهم على ما وصفتَ بعد النصح والتذكير ، وأن بقاء الأمر على ما هو
عليه قد ينعكس أثره السلبي على بيتك وأسرتك ، فالرائحة المنتنة ، حين تفوح ، تشمل
المكان كله ، وسوء السمعة الذي تحدثت عنه : لن يقتصر أثره علي الفتاتين فقط ؛ بل
أنت وزوجتك وأولادك في الواجهة أيضا .
فاحذر أشد الحذر من التهاون في النصح ، والوعظ ، وإن رأيتَ ذلك غير مجدٍ ، ورأيت
أحوال الأختين على ما هي من السوء الذي وصفتَ : فننصحك بشدة أن تتخذ موقف الهجر من
ذلك البيت ، ولو أدى لقطع علاقة حماتك بابنتها ، مع أننا نجزم أن كلامها فارغ ،
وأنها لن تصبر على ابنتها وأحفادها ، بل يمكنك جعل ذلك ورقة " ضغط " عليها ؛ لتصلح
من حالها ، وحال ابنتيها .
على
أننا ننصحك ، قبل أمر الهجر ، وقطع العلاقة بهاتين الفتاتين وحماتك : أن تقوم
بإعلام والدهما وأخيهما ، المسافرين إلى الخارج ، بحقيقة الحال ، وأن تقنع الوالد
بضرورة عودته ، وبقائه في وسط أسرته ، ونهوضه بمسؤوليته الواجبة نحوهما . فإن أبى
فلتكن المحاولة مع أخيهما ، فهما المسئولان ـ حقيقة ـ عن تلك الرعاية والقوامة على
البنتين .
وقد
يكون من الأنسب في هذه الظروف : أن تكون زوجتك هي التي تقوم بإيصال هذه الرسالة إلى
والدها وأخيها . فإن لم تستطع ، فمن الممكن أن يقوم بذلك ناصح أمين ، ممن تعلم ـ
يقينا ـ أنه على معرفة بحقيقة الحال .
ثالثاً:
ليس
ما ننصحك به هو من الهجر المحرَّم ، فنحن أولاً قلنا بوجوب النصح والوعظ ، ثم قلنا
إن مثل تلك المعاصي التي تفعلها شقيقات زوجتك من شأنها أن يكون لها أثر سيء عليك
وعلى أهل بيتك ، وهذا موجب للهجر بالإجماع .
قال
ابن عبد البر – رحمه الله - :
وأجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ، إلا أن يكون يخاف من
مكالمته ، وصلته : ما يفسد عليه دِينه ، أو يولِّد به على نفسه مضرة في دينه ، أو
دنياه ، فإن كان ذلك : فقد رُخِّص له في مجانبته ، وبُعده ، وربَّ صرْمٍ جميلٍ خيرٌ
من مخالطةٍ مؤذيةٍ .
قال
الشاعر
:
إذا
ما تقضي الودُّ إلا تكاشرا ... فهجر جميل للفريقين صالح
"
التمهيد " ( 6 / 127 ) .
رابعاً:
ننبهك إلى ما لحظناه من خلال سؤالك أن علاقتك بشقيقات زوجتك فيها مخالفات شرعية ،
من حيث النظر ، والخلطة ، والمصافحة ، وما ذكرته عن المصافحة من أنك امتنعت عنها من
أجل نقض الوضوء : غير صحيح ، بل هي محرَّمة لذاتها ، وهي لا تنقض الوضوء بمجردها ،
وانظر جواب السؤال رقم (
8531 ) .
وخطأ آخر : وهو ظنك أن شقيقات زوجتك لم يفعلن شيئاً من الكبائر ! ويبدو أن الكبيرة
عندك هي " الزنا " ! فحسب ، وهذا خطأ ، ووجه ذلك : أن تبرجهن ، وعلاقتهن برجال
أجانب من الكبائر ، وتركهن الصلاة ليس من الكبائر فحسب ، بل هو من الكفر المخرج من
الملة .
خامساً:
والخلاصة :
1.
انصح لأم زوجتك وأخواتها بتقوى الله والالتزام بطاعته ، في الصلاة ، والحجاب ، وترك
المحرمات ، من التبرج ، ومصاحبة الأجانب .
2.
خفف من زيارتك لبيت حماتك ، وعلل ذلك بما هم عليه من حال لا يُرضي .
3.
إن لم يُجد ذلك ، وتسبب لك علاقتك بهم وزيارتك لهم بالطعن في دينك وعرضك ، أو بخوفك
على زوجتك وأولادك أن يُفتنوا بهم : وجب عليهم هجرهم ، حتى ينصلح حالهم .
4.
داوم أنت وزوجتك على الدعاء لأصهارك بالهداية ، والتوفيق لما يحب ربنا ويرضاه .
6.
وعليك الالتزام بالضوابط الشرعية في العلاقة مع الأجنبيات ، حتى لو كن من أقربائك ،
أو أصهارك ، وانظر جواب السؤال رقم : (
1121 ) ففيه تفصيل مفيد .