الجواب :
الحمد لله
يظهر من خلال ما ذكرته السائلة أن زوجها لا يحسن التصرف في المال ، ولا برعوي عن
أخذ ما وصلت إليه يداه ، ومثل هذا لا ينبغي للزوجة أن تعطيه شيئا من مالها ولا من
مال والدها ، ولا الإذعان لتهديده . والتجارب التي مرت معه كفيلة بمعرفة مدى جديته
ومصداقيته وأمانته ، بل الأدهى من ذلك : دينه ، ومراعاة أمر ربه في تصريف المال .
والحل الأنسب أن تعامله المعاملة الحسنة ، وأن تنصحه بتقوى الله تعالى ، والبحث عن
طرق الكسب المشروعة ، بعيدا عن التطلع إلى أموال الآخرين ، فهو مسئول عن توفير
النفقة لها ولطفلها ، ومطالب بالعمل المشروع لتحقيق ذلك .
وبعض الأزواج – للأسف – لا يقدر المسئولية ، ولا يقف طمعه عند حد ، فإذا كان للزوجة
مال لم يتورع عن إنفاقه وإهداره ، وهذا من سوء الخلق ، وضعف الدين ، ولهذا لا ينبغي
أن يعان ولا أن يشجع على ذلك . والمرأة لها ذمتها المالية المستقلة ، ولا يلزمها أن
تعطي زوجها شيئا من مالها ، ولها أن تستثمر مالها بما يعود بالنفع عليها ، ولها أن
تعطي من مالها لوالديها ولو لم يأذن زوجها .
سئل
الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
"
ما حكم الشرع ـ في نظرك ـ فيمن يضرب زوجته ، ويأخذ منها مالها بالقوة ، ويعاملها
معاملة سيئة ؟ " .
فأجاب ، رحمه الله :
"
هذا الذي يضرب زوجته ويأخذ مالها ويعاملها معاملة سيئة : آثم عاصٍ لله عز وجل ؛
لقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} النِّسَاء/19، وقوله تعالى:
{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} البَقَرَة/ 228 .
ولا
يجوز لأحد أن يعامل امرأته هذه المعاملة السيئة ، ثم يذهب ليطالبها أن تعامله
معاملة حسنة ، فإن هذا من الجور الداخل في قوله تعالى : { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
*الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ *وَإِذَا كَالُوهُمْ
أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ *} المطففين /1-3 ؛ فكل إنسان استوفى حقه من الناس
كاملاً ، ثم لا يعطي الناس حقوقهم كاملة فإنه : داخل في هذه الآيات الكريمة
.
والذي أنصح به هذا وأمثاله : أن يتقيَ الله عز وجل في النساء ، كما أمر بذلك النبي
صلى الله عليه وسلم في خطبته في عرفة ، عام حجة الوداع ؛ حيث قال : "فَاتَّقُوا
اللهَ فِي النِّسَاءِ ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ ،
وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ" [ رواه مسلم (1218) . وأقول له
ولأمثاله : إنه لا يمكن أن تكون الحياة سعيدة إلا إذا تعامل الزوجان ، كل منهما مع
الآخر ، بالعدل والإحسان ، والغض عن المساوىء ، ومشاهدة المحاسن . قال النبي عليه
الصلاة والسلام : " لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً ؛ إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا
رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ" رواه مسلم (1469) . "
فتاوى علماء البلد الحرام (487) .
ومن
الممكن ـ أيتها الأخت الكريمة ـ أن تستعيني عليه ببعض الناصحين من أهل الدين
والأمانة ، ينصحونه بما يجب عليه من عشرة أهله بالمعروف ، وعدم التطلع لأموال الناس
، ومساعدته على الحصول على العمل المناسب لحاله .
فإن
لم ينته ، وبقي على تهديده ، فلا نرى لك أن تذعني لشيء من تهديده ، ولا أن تطميعه
فيما بقي لك من مال ؛ فإن مثل هذا لا يؤمن أن يضيع ما بقي ، ثم يعود إلى نفس الكرة
من جديد ، بل ستكون المشكلة أعقد : إذا أضاع بيتك ، وبيت أهلك ، فسيكون تلاعبه بكم
، وتحكمه فيكم أكثر .
واستعيني بربك ، واصبري ، والجئي إليه ، وأكثري من الدعاء لزوجك بالهداية وصلاح
الحال .
واعلمي أن الله أقدر منه ، وأجل وأعلى ، وأن مقاليد الأمور بيده سبحانه .
وننصحك بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم :
عن
أنس بْن مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ
وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ
الرِّجَالِ ) .
رواه البخاري (6369) ومسلم (2706) .
والله أعلم .