الجواب :
الحمد لله
أوّلاً :
طوبى لك على ما رزقك الله به من هذه الخصلة الحميدة والصّفة الجليلة التي حثّ
الشّرع المطهّر على التّحلّي بها، فقد ورد في فضل الحياء أحاديث كثيرة منها : ما
رواه عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي
الْحَيَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (دَعْهُ ،
فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ) رواه البخاريّ (24) ومسلم (36) .
قال
الشّيخ محمّد بن صالح العثيمين رحمه الله في "شرح رياض الصالحين" (4/29 – 30) :
"الحياء : انكسار يكون في القلب ، وخجل لفعل ما لا يهتمّ به النّاس ، أو ما لا
يستحسنه النّاس.
الحياء من الله والحياء من الخلق من الإيمان ، الحياء من الله يوجب للعبد أن يقوم
بطاعة الله ، وأن ينتهي عمّا نهى الله ، والحياء من النّاس يوجب للعبد أن يستعمل
المروءة ، وأن يفعل ما يجمّله ويزيّنه عند النّاس ، ويتجنّب ما يدنّسه ويشينه ،
فالحياء من الإيمان" انتهى .
ومع
فضيلة الحياء وأهمّيته ، فلا ينبغي أن يكون سببا لترك ما أمر به الإسلام ودعا إليه
؛ لأنّ الحياء إنّما يطلب ويُحمد إذا كان معينا على امتثال أوامر الله ورسوله ، قال
الشّيخ عبد الرّحمن السّعديّ رحمه الله في تفسير قوله تعالى : (وَاللهُ لاَ
يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) الأحزاب/54 :
"فالأمر الشّرعيّ ، ولو كان يُتَوَهَّم أنّ في تركه أدبًا وحياء ، فإنّ الحزم كلّ
الحزم اتّباع الأمر الشّرعيّ ، وأن يَجزم أنّ ما خالفه ليس من الأدب في شيء" انتهى
. تيسير الكريم الرّحمن (ص 670) .
والانصراف عن الزّواج بالكلّيّة والرّغبة عنه خلاف السّنّة ، وقد نهى رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك ، فقد روى البخاري (5063) ومسلم (1401) عن أَنَس بْن
مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال : جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ
أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ
عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا
كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا ، فَقَالُوا : وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا
تَأَخَّرَ ! قَالَ أَحَدُهُمْ : أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا
. وَقَالَ آخَرُ : أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ . وَقَالَ آخَرُ : أَنَا
أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا . فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : (أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ
كَذَا وَكَذَا ، أَمَا وَاللَّهِ ، إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَتْقَاكُمْ
لَهُ ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ
النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) .
فالنكاح لا ينافى كمال الحياء ، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أشد الناس حياءً
، ومع ذلك فقد تزوج صلى الله عليه وسلم .
وروى البخاري (5074) ومسلم (1402) عن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قال :
(رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ
مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لاخْتَصَيْنَا) .
فلا
يجوز إزالة الشهوة سواء كان ذلك بعملية جراحية أو غيرها .
قال
في "الفواكه الدواني" (1/137): "وأما لو استعملت دواء لقطعه (الحيض) أصلا فلا يجوز
لها حيث كان يترتب عليه قطع النسل، كما لا يجوز للرجل استعمال ما يقطع نسله أو
يقلله" انتهى .
وورد سؤال إلى اللّجنة الدّائمة للبحوث العلميّة والإفتاء عن حكم إجراء عمليّة خصي
لقطع الشّهوة ، فأجابت :
"لا
يجوز لك الإقدام على إجراء عمليّة لقطع الخصيتين ؛ لنهي النّبيّ صلّى الله عليه
وسلّم عثمان بن مظعون عن الاختصاء" انتهى .
فتاوى اللّجنة الدّائمة (18/34) .
وسبق بيان حكم من حرّم النّكاح على نفسه في جواب السؤال رقم (87998)
.
ثانياً :
أما
اليمين التي حلفتها ، فقد حلفت على ترك السّنّة والخير ، فالمطلوب منك أن تكفر عن
يمينك كفارة يمين ، وتتزوج متى يسر الله لك الزواج ؛ لقول النّبيّ صلّى الله عليه
وسلّم لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه : (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ
فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَكَفِّرْ عَنْ َيمِينِكَ وَائْتِ الَّذِي
هُوَ خَيْرٌ) رواه البخاري (6722) ومسلم (1652) .
وكفارة اليمين هي : عتق رقبة ، أو إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله ، أو
كسوتهم ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام . وقد سبق بيانها تفصيلا في جواب السؤال رقم
(45676)
.
ثالثاً :
أما
حكم ترك الزّواج ، فإنّ الزّواج يختلف حكمه بحسب الإنسان وقدرته المادية والبدنية ،
ومدى احتياجه له ، فتارة يجب ، وتارة يستحب ، وتارة يكره ، وانظر جواب السؤال رقم (36486)
.
فالنّصيحة لك أن تصبر ولا تستعجل وتقطع بأنّك لا تستطيع الزّواج ، فإنّ لعامل
السّنّ تأثيرا كبيرًا فيما أنت فيه من شدّة الحياء ، ومع تقدّم السّنّ فإنّه ستخفّ
هذه الشّدّة ويكون الأمر في حدود المعتاد ، واجتهد أيضا في الدّعاء والتّضرّع إلى
الله أن يخفّف عنك ، وأن يوفّقك للزّواج السّعيد ، ويحسن أيضا لعلاج هذا الأمر
استشارة أهل الخبرة والاستفادة من تجاربهم ونصائحهم وإرشاداتهم .
نسأل الله عزّ وجل أن ييسّر أمرك ويوفّقك لكلّ خير .
والله أعلم .