الجواب :
الحمد لله
التأمين التجاري الذي
تجريه معظم شركات التأمين هو من العقود المحرمة ، سواء كان تأميناً على الحياة أو
الممتلكات ...... أو غير ذلك ، ويدل على حرمته مجموعة من النصوص والقواعد الشرعية ،
منها :
1- التأمين عقد من عقود
الغرر ، وعقود الغرر ممنوعة محرمة شرعاً .
روى مسلم
(1513) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع الغرر)
.
والغرر في
اللغة هو الخطر الذي لا يُدْرى أيكون أم لا؟ كبيع السمك في الماء والطير في الهواء
، فإن ذلك قد يحصل للمشتري وقد لا يحصل .
قال الأزهري
: ويدخل في بيع الغرر : البيوع المجهولة .
"معجم
مقاييس اللغة" (4/380 – 381) ، "لسان العرب" (6/317) .
وقال
الخطابي رحمه الله :
"أَصْل
الْغَرَر هُوَ مَا طُوِيَ عَنْك وَخَفِيَ عَلَيْك بَاطِنه . . . وَكُلّ بَيْع كَانَ
الْمَقْصُود مِنْهُ مَجْهُولًا غَيْر مَعْلُوم أَوْ مَعْجُوزًا عَنْهُ غَيْر
مَقْدُور عَلَيْهِ فَهُوَ غَرَر . . . وَأَبْوَاب الْغَرَر كَثِيرَة ، وجماعها : ما
دخل في المقصود منه الجهل" انتهى .
قال النووي
رحمه الله :
"وَأَمَّا
النَّهْي عَنْ بَيْع الْغَرَر فَهُوَ أَصْل عَظِيم مِنْ أُصُول كِتَاب الْبُيُوع ,
وَيَدْخُل فِيهِ مَسَائِل كَثِيرَة غَيْر مُنْحَصِرَة كَبَيْعِ الْمَعْدُوم
وَالْمَجْهُول . . . وَنَظَائِر ذَلِكَ , وَكُلّ هَذَا بَيْعه بَاطِل لِأَنَّهُ
غَرَر مِنْ غَيْر حَاجَة.
وَقَدْ يَحْتَمِل بَعْض
الْغَرَر بَيْعًا إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ حَاجَة كَالْجَهْلِ بِأَسَاسِ الدَّار
فَإِنَّهُ يَصِحّ الْبَيْعِ, لِأَنَّ الْأَسَاس تَابِع لِلظَّاهِرِ مِنْ الدَّار ,
وَلِأَنَّ الْحَاجَة تَدْعُو إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِن رُؤْيَته . . .
وَأَجْمَعُوا عَلَى بُطْلَان بَيْع الْأَجِنَّة فِي الْبُطُون وَالطَّيْر فِي
الْهَوَاء . قَالَ الْعُلَمَاء : مَدَار الْبُطْلَان بِسَبَبِ الْغَرَر ...." انتهى
.
واتفق
العلماء على أن الغرر الكثير لا يجوز ، وأن القليل يجوز ويتسامح فيه ، واختلفوا في
أشياء من الضرر لترددها بين الكثير والقليل .
"بداية
المجتهد" (2/187) ، ونحوه للنووي من شرح مسلم .
وعقد
التأمين من العقود المشتملة على الغرر الكثير ، ورجال القانون أنفسهم يقرون بأن عقد
التأمين عقد احتمالي ، وهذا هو معنى الغرر ، لأن كلاً من المؤمِّن والمؤَّمن له لا
يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ ، فقد يدفع المؤمَّن له قسطاً
واحداً ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم المؤمِّن به ، وقد لا تقع الكارثة مطلقاً
فيدفع جميع الأقساط ولا يأخذ شيئاً .
2- عقود
التأمين من القمار .
والقمار هو الميسر ، وقد حرمه الله تعالى بقوله : (إِنَّمَا الْخَمْرُ
وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ
فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) المائدة/90 .
ومعنى
"القمار" : أن يدفع الإنسان شيئاً من ماله على سبيل المخاطرة ، فإما أن يربح أكثر
منه ، وإما أن يخسر المال الذي دفعه .
وانظر جواب
السؤال رقم (89746)
و (106601)
.
وعقد
التأمين عقد معلق على خطر تارة يقع ، وتارة لا يقع ، فهو قمار في المعنى .
لأن
المؤمَّن له يخاطر بدفع مبلغ التأمين ، فإما أن يأخذ أكثر منه ، وإما أن يخسره ،
إذا لم يحصل الخطر المؤمن ضده .
فقد يدفع
المؤمَّن له عشرين ويأخذ ألفاً ، وقد يدفع ألفاً ويأخذ ألفاً ، وقد يدفع ألفاً ولا
يأخذ شيئاً إذا لم يقع الخطر المؤمَّن ضده .
أليس هذا
مخاطرة ومقامرة ؟!
3- التأمين يتضمن ربا
النسيئة والفضل ، وذلك في حالة التعويض .
روى مسلم
(1587) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ
بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ
بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، يَدًا
بِيَدٍ ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا
كَانَ يَدًا بِيَدٍ) .
ففي هذا
الحديث دليل على أنه إذا باع الذهب بالذهب وجب في البيع التساوي والتقابض .
فيبيع
جراماً بجرام من غير زيادة . ويجب التقابض في المجلس ، فلا يجوز أن يتفرقا ولم يقبض
كل منها حقه .
فإذا باع
الذهب بذهب مع التفاضل فقد وقعا في ربا الفضل ، وإذا لم يحصل تقابض فقد وقعا في ربا
النسيئة أي التأخير . لتأخير القبض .
وإذا باع
الذهب بالفضة وجب التقابض في المجلس ، وجاز التفاضل في البيع .
فيبيع جرام
الذهب بعشرة جرامات فضة مثلا ، ولكن لا يجوز أن يتفرقا من غير أن يتم التقابض .
والأوراق
النقدية تأخذ حكم الذهب والفضة في ذلك ، فلا يجوز تبديل عملة بأخرى إلا إذا تم
التقابض في المجلس ، وإذا كانت العملة من جنس واحد ، فيجب التماثل والتقابض ، كما
لو أبدل ذهباً بذهب .
والتأمين مشتمل على
الربا بنوعيه : ربا الفضل وربا النسيئة .
وبيان ذلك :
أن ما تدفعه شركة التأمين للمستأمن أو لورثته عند حصول الخطر المحدد في العقد ، له
ثلاث حالات : إما أن يكون أقل أو أكثر مما دفعه أو يكون مساوياً له .
وفي كل ذلك
يكون دَفْعُ الشركةِ لصاحب الحق واقعاً بعد دفعه أقساط التأمين بفترة هي في الحقيقة
مجهولة النهاية .
فحقيقة
المعاملة : أنها بيع دراهم بدراهم إلى أجل .
فعند
التساوي يكون فيه ربا النسيئة ، وفي حالة الزيادة [أو النقص] يكون فيه ربا الفضل
والنسيئة معاً، وكل منهما محرم بانفراده فيكف إذا اجتمعا .
4- التأمين من أكل
أموال الناس بالباطل
وأكل أموال
الناس بالباطل حرام .
قال الله
تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ
بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) .
والباطل هو
كل طريق لم تبحه الشريعة فيدخل فيه السرقة والخيانة والغصب والقمار وعقود الربا
والبيوع الفاسدة . قاله أبو حيان في تفسيره لهذه الآية .
وبيان
اشتمال عقد التأمين على أكل المال بالباطل : أن مبلغ التأمين المدفوع للشخص
المؤمَّن له إذا كان أكثر مما دفعه كما لو حدث الخطر بعد دفع قسط واحد ، فبأي حق
يستحق هذا المال ؟
وإذا لم
يحدث الخطر ، فبأي حق تستحق شركة التأمين الأقساط التي دفعها المؤمَّن له بدون
مقابل صحيح .
وقد أثبتت
إحدى الإحصائيات لأحد الخبراء الألمان أن نسبة ما تدفعه شركات التأمينات إلى
الأشخاص من تعويضات لا يساوي إلا 2.9% من إجمالي الأقساط المدفوعة .
فبأي حق
تستحق الشركة هذه الأموال ، ومقابل ماذا ؟
5- في عقود التأمين
إلزام بما لا يلزم شرعاً .
ففي عقود
التأمين يتم إلزام شركة التأمين بالضمان ، إذا حصل الخطر المؤمَّن ضده ، فبأي حق
يتم هذا الإلزام؟ فشركة التأمين لم تحدث الخطر ، ولم تتسبب في حصوله ، ولا حصل منها
أي تعدٍ أو تقصير ، فكيف تلزم بضمان ما لا يلزمها ضمانه شرعاً ؟
6- التأمين له أضرار
على الأفراد والمجتمع .
وإلى جانب
ما سبق فإن التأمين لا يخلو من أضرار ، أهمها :
استخفاف
المؤمَّن لهم بالحفاظ على أموالهم من التعرض للمصائب ، بل قد يتجاوزون ذلك إلى
افتعال الحوادث وتفاقمها ، وفي ذلك ضرر بالغ على الأفراد ، كاستخفاف بعض السائقين
المؤمَّن لهم على أنفسهم وعلى سياراتهم واستهانتهم بقوانين السير وأنظمته وما ينتج
عن ذلك من تعريض أفراد المجتمع للأضرار دهساً وصدماً .
فكل سبب من هذه الأسباب
كافٍ للدلالة على تحريم التأمين التجاري ، وأن عقده عقد فاسد لا تبيحه الشريعة ،
وأنه من أكل الأموال بالباطل . فكيف إذا اجتمعت هذه الأسباب كلها ؟!
ولذلك أفتى عامة
العلماء المعاصرين بتحريم جميع أنواع التأمين التجاري ، فقد صدر قرار هيئة كبار
العلماء في بلاد الحرمين ومجلس المجمع الفقهي في جدة ، بتحريم التأمين التجاري ،
وكذلك أصدر مجلس المجمع الفقهي بمكة ، قراراً بتحريم التأمين التجاري بالإجماع ،
ولم يخالف إلا عضو واحد فقط من أعضاء المجمع .
وقد نقلنا كثيراً من
هذه القرارات والفتاوى في إجابات متنوعة في موقعنا .
وانظر بحثاً مطولاً في
التأمين التجاري في "أبحاث هيئة كبار العلماء" (4/33- 315) .
والله أعلم .