الجواب :
الحمد لله
أولاً :
التكليف هو صلاحية الإنسان أن يتوجه إليه الأمر والنهي ، بحيث يعاقب إن خالف ذلك .
ولهذا التكليف صفات يسميها العلماء : أهلية الوجوب ، ومن أهم هذه الصفات : أن يكون
الإنسان عاقلاً ، فالمجنون غير مكلف ، ودل على ذلك قول النبي صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ : عَنْ النَّائِمِ حَتَّى
يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ ، وَعَنْ الْمَعْتُوهِ حَتَّى
يَعْقِلَ) رواه الترمذي (1423) وصححه الألباني في صحيح الترمذي .
وجاء في "الموسوعة الفقهية" (13/249) :
"أهلية الوجوب عبارة عن صلاحية الشخص لوجوب الحقوق المشروعة ، بحيث تثبت له حقوق ،
وتجب عليه واجبات والتزامات ... وبهذا يعرف أن الأهلية مناط التكليف" انتهى .
ثانياً :
الفصام من الأمراض العقلية ، ويسمى خطأً " فصام الشخصية " .
قال الدكتور ياسر بكار :
"لا صحة لما يرد عن مرض فصام العقل أن المريض يكون له شخصيتان في جسد واحد
،
فهذا من
ابتداع كتَّاب
السينما
،
والحقيقة
:
أن المريض يعاني من خلل دماغي يسبب انفصالاً بين
العقل والعواطف والسلوك" .
وقال :
"الفصام هو مرض دماغي مزمن يصيب عدداً من وظائف العقل مثل التفكير والإدراك
والمشاعر والسلوك" انتهى .
وقال الدكتور حسين عبد القادر - استشاري الأمراض النفسية - :
"وتؤكد دراسات علم النفس إن الفصام أو " الشيزوفرنيا " هي حالة تصيب 1% من الناس
والمصاب بهذا الداء يطلق عليه " مختل عقليّاً " ، والفصام من الأمراض المزمنة التي
يعاني منها المريض طيلة حياته" انتهى .
"وأما
أعراض
هذا المرض
:
فتظهر
في
فقد
التفكير والعاطفة والإدراك والإرادة
والسلوك .
أما أعراض الإرادة : فإن
مريض الفصام
يفقد
الكثير من قوة الإرادة ، وعدم المقدرة على اتخاذ أي قرارات ، والسلبية
المطلقة في التصرفات ، ثم فقد الإحساس بالذات
.
وأما أعراض
السلوك
: فإن
مريض
الفصام يفقد
اهتمامه بذاته ونظافته وصحته العامة ، ولا يهتم بالأحداث اليومية ، ويكون عرضة
لسلوك غريب ، مثل : تكرار الحركات
،
أو نوبات من الهياج والاندفاع والعدوانية
،
كما
أنه يبدأ بالانعزال
عن الناس
،
ويكف عن الذهاب إلى المساجد والأصدقاء
،
ويفقد
اهتمامه بما حوله
،
ويبتعد عن الناس
،
كما أنه يهمل الدراسة والعمل تماماً
حتى يفصل
،
ويجلس متقوقعاً داخل عالمه الوهمي"
انتهى من كلام بعض الاختصاصيين .
وبالتأمل في حقيقة هذا المرض العقلي ، وأعراضه يتبين أن مريض الفصام قد تعتريه في
غالب أوقاته – أو كلها - ما يجعله يعيش في عالم آخر ، وفي هذا الوقت لا يكون
مكلَّفاً إلا أن تزول عنه تلك الحالة ، وهذا كلام أحد الاختصاصيين في هذه المسألة :
قال الدكتور سيد البرجيسي - في بيان ما يعتري مريض الفصام من آثار لمرضه - :
"الضلالات : الضلالات عبارة عن اعتقاد خاطئ يؤمن به المريض إيماناً راسخاً
يستحيل
إقناعه
منطقيّاً
بعدم صحته
،
ولا تدل الضلالات على وجود تدهور بالذكاء
،
وليست
له علاقة به
،
وأهم الضلالات الموجودة في مرض الفصام
:
أ. ضلالات
الاضطهاد : حيث
يعتقد المريض أن الناس تتعقبه ، وأن أجهزة الأمن تتبع كل خطواته
،
أو أن بعض الناس تكرهه ، وتريد التخلص منه
،
سواء بوضع السم في الطعام وخلافه .
ب. ضلالات العظمة :
يؤمن المريض أنه أذكى أو أقوى البشر
،
أو أنه رسول مرسل لهداية الناس
،
أو أنه عالِم
،
أو
مخترع
،
أو أوتي
قوة خارقة
،
أو يستطيع الكشف عن الظواهر الغيبية
.
ج.
ضلالات
التأويل أو التلميح أو الإشارة : حيث يعتقد المريض أن كل حركة تصدر ممن حوله تكون
للإشارة أو التلميح إلى تصرفاته
،
وهذا يجعله إما في حالة من الاحتكاك المستمر مع المجتمع ، أو الانطواء والانعزال عن
الناس .
د.
ضلالات التأثير : يشعر المريض أنه
تحت تأثير قوى
داخلية أو خارجية ويصبح
أسير
هذه الأفكار التي تختلف من أشعة ليزر
إلى ذبذبات صوتية أو لاسلكية وما شابه ذلك"
انتهى .
والخلاصة : أنه بالنظر في حقيقة التكليف الشرعي ، وحقيقة الأهلية ، وعوارضها ،
وبالتأمل في طبيعة مريض الفصام وأعراضه وآثاره : نجد أنه مانع من موانع التكليف ،
لا سيما في مراحله المتأخرة المزمنة ، أما في الحالة التي يدري فيها عن نفسه ،
ويسيطر على أفعاله وتفكيره فإنه يكون مكلفاً بما أمره الله به أو نهاه عنه .
وهذا الذي قلناه هو فيما يتعلق بحقوق الله تعالى كالصلاة والصيام والحج ، أما فيما
يتعلق بحقوق الآخرين فإنه يضمن ما أتلفه لهم من أموال ، وتجب عليه الزكاة في أمواله
، لأن هذه الواجبات لا يشترط لوجوبها التكليف .
والله أعلم