الجواب:
الحمد لله
أولاً:
طاعة الوالدين ، وبرهما ، والإحسان إليهما : فريضة أمر الله بها , قال تعالى :
(
وَقَضَى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا )
الإسراء/ 23 ، وهي من أعظم الأعمال التي يتقرب بها الإنسان إلى الله .
عن
عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ
الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ قَالَ : ( الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا ) ، قَالَ
: ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : ( ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ) ، قَالَ : ثُمَّ
أَيٌّ ؟ قَالَ : ( الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) .
رواه البخاري ( 504 ) ومسلم ( 85 ) .
ومن
البر بالوالديْن : أن تسعى في تقليل الخلاف الواقع بينهما ، وذلك بالنصح ، والتذكير
قدر الاستطاعة ، والاعتذار للمظلوم منهما ، وتطييب خاطره , وترضيته بالقول ، والفعل
.
وانظر جواب السؤال رقم : (
22782 ) .
ثانياً:
الخلاف بين الوالدين : لا يكاد يخلو منه بيت من البيوت , وهذا بيت أكرم الخلق نبينا
محمد صلى الله عليه وسلم لم يخلُ منه , فقد طلَّق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة ،
ثم راجعها , و آلى من نسائه شهراً - أي : حلف أن لا يقربهن شهراً – واعتزلهن خارج
بيوتهن , وعلى المسلم في علاج مثل هذه الخلافات : أن يحكِّم الشرع ، لا العاطفة ،
ليصل في نهاية المطاف إلى الظالم فيذكره بالتوبة ، وإرجاع الحق ، وليصل إلى المظلوم
فيعطيه حقه ، وينصفه ممن ظلمه ، وهذا ما يجب أن يفعله كل حكَم بين متخاصميْن ، فإذا
كانت الخصومة بين والديه : كان أدعى لأن يسارع برأب الصدع ، وتذكير الظالم ، ونصحه
، حتى لا يتصدع بناء الأسرة بتلك الخلافات ، مع ضرورة التأدب في الخطاب ، واللين في
الكلام مع والديه ، فلا يعنِّف ، ولا يجرح ، ولا يواجه بغلظ الكلام .
ومن
المهم أن يُقضى على أسباب الخلاف بين والديك ، حتى لا تتكرر الخلافات مرة أخرى ،
ومعرفة المخطئ ، حتى لا يعيد المخطئ خطأه مرَّة أخرى ، وحتى يذهب ما في قلب المظلوم
من حزن ، وأسى .
ولتعلم – أخي السائل – أن نجاحك في الإصلاح بين والديك : يعني بقاء الأسرة متماسكة
، متلاحمة ، قوية ، مع ما يشيع فيها من المودة ، والرحمة بين أطرافها جميعهم ، وقد
جعل
الله تعالى الإصلاحَ بين الناس عموماً من أهم أسباب حصول الرحمة بينهم، فكيف
بالإصلاح بين الوالدين ؟! قال تعالى : ( إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون ) الحجرات/ 10 .
وفي
الإصلاح بين والديك : قطع الطريق على الشيطان في تحقيق أعظم إنجازاته ! وهو التفريق
بين الزوجين .
عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ
سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً ، يَجِيءُ
أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ : فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا ، فَيَقُولُ : مَا صَنَعْتَ شَيْئًا
، قَالَ : ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ : مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ
بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ ، قَالَ فَيُدْنِيهِ مِنْهُ - وَيَلْتَزِمُهُ -
وَيَقُولُ : نِعْمَ أَنْتَ ) .
رواه مسلم ( 2813 ) .
ثالثاً:
مما
لا شك فيه أن حق الأم أعظم من حق الأب ، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ
رضي الله عنه قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي ؟ قَالَ : (
أُمُّكَ ) ، قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ( أُمُّكَ ) ، قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟
قَالَ : ( أُمُّكَ ) ، قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ( ثُمَّ أَبُوكَ ) .
رواه البخاري ( 5626 ) ومسلم ( 2548 ) .
قال
النووي - رحمه الله - :
وفيه الحث على برِّ الأقارب ، وأن الأم أحقهم بذلك ، ثم بعدها الأب ، ثم الأقرب
فالأقرب .
"
شرح النووي " ( 16 / 103 ) – وانظر تتمة شرح الحديث في جواب السؤال رقم : ( 75408 )
- .
لكن
لا يعني هذا أن تقف مع والدتك إذا كان الخطأ والتقصير منها ، بل الواجب عليك حين
التحكيم بينهما : أن تعدل ، وتنصف , وتقول الحق ، ولو على أمك صاحبة الحق الأعظم
عليك ، كما قال تعالى : ( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى
وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ) الأنعام/ من الآية 152 ، وقال تعالى : ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ
وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) النساء/ من
الآية 135 .
فالذي عليك فعله : أن تبحث عن أسباب الخلاف بين والديك , وأن تحاول الإصلاح ما
استطعت إلى ذلك سبيلاً , بالرفق ، واللين ، والكلمة الطيبة , وتطييب خاطر المظلوم ,
وترضيته بالقول ، والفعل , والنصح للمخطئ , وإرشاده بالرفق , والدعاء له بالهداية .
والله نسأله أن يوفِّق بين والديك ، ويؤلف بينهم , وأن يعينك على برِّهما , والقيام
بحقهما .
على
أننا ننبهك إلى أن دورك الحقيقي هو دو المصلح ، الذي يكتم السوء والخطأ ، ويستر
العورة ، ويسعى في استصلاح النفوس ، وتطييب القلوب ، وليس دور الحكم .
وثمة فوائد زوائد على ما قلناه هنا تجدها في جواب السؤال رقم : (
125523 ) .
والله أعلم