الجواب :
الحمد لله
أولاً:
التفاضل عند الله إنما يكون بالإيمان والتقوى ، كما قال تعالى : (يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)
الحجرات/ 13 .
وفي
الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، أَلاَ إِنَّ
رَبَّكُمْ وَاحِدٌ ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ ، أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ
عَلَى أَعْجَمِيٍّ ، وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ ، وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى
أَسْوَدَ ، وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى ، أَبَلَّغْتُ ؟
قَالُوا : بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رواه أحمد
(38/474) ، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2700) .
ثانياً :
مِن
أمور الجاهلية التي حذَّر منها النبي صلى الله عليه وسلم الفخر بالأنساب ، والطعن
في الأنساب .
فعن
أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لَيَنْتَهِيَنَّ
أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ الَّذينَ مَاتُوا إِنَّمَا هُمْ فَحْمُ
جَهَنَّم ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ الْجُعَلِ الَّذِي
يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ
عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ
تَقِيٌّ ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ ، النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ ، وَآدَمُ خُلِقَ
مِنْ تُرَاب) رواه الترمذي (3890) ، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترمذي" .
"والجُعَل" : حشرة صغيرة سَوْدَاءُ يُقَالُ لَهَا الْخُنْفُسَاءُ .
ومعنى (يُدَهْدِهُ) : أَي : يُدَحرِجُه بِأَنْفِهِ .
وَ
(الخِرَاءُ) : وَهو العذْرَةُ .
و
(عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) : أَي : نَخْوَتَهَا ، وَكِبْرَهَا .
وعن
أبي مَالِكٍ الأَشْعَرِيَّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ : (أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لا
يَتْرُكُونَهُنَّ : الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ ،
وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ ، وَالنِّيَاحَةُ) رواه مسلم (1550) .
وعَن أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم : (اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ : الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ ،
وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ) رواه مسلم (67) .
والطعن في الأنساب يشمل معنيين :
1-
نفي
نسب الرجل عن أبيه أو قبيلته .
2-
شتم
الأباء أو القبيلة ، وذكر معايبهم .
قال
الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :
"الطعن في النسب : معناه التعيير بالنسب ، أو أن ينفي نسبه ، فمثلا يقول في التعيير
: أنت من القبيلة الفلانية التي لا تدفع العدو ، ولا تحمي الفقير ، ويذكر فيها
معايب ، أو : مثلا يقول : أنت تدعي أنك من آل فلان ، ولست منهم" انتهى .
"شرح رياض الصالحين" (6/264) .
ثالثاً :
لا
يحل للإنسان أن يدَّعي أباً غير أبيه ، ولا قبيلة غير قبيلته ، وفي الوقت نفسه لا
يحل له الانتفاء من أبيه ، أو من نسبه .
فعَنْ سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه
وسلم يَقُولُ : (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهْوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ
أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ) رواه البخاري (6385) ومسلم (63) .
قال
ابن دقيق العيد رحمه الله :
يدل
على تحريم الانتفاء من النسب المعروف والاعتزاء إلى نسب غيره ، ولا شك أن ذلك كبيرة
لما يتعلق به من المفاسد العظيمة .
"إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" (1/419) .
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ
يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ وَمَنْ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ [نسب]
فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) رواه البخاري (3317) ومسلم (61) .
قال
الحافظ ابن حجر رحمه الله :
وفي
الحديث : تحريم الانتفاء من النسب المعروف ، والإدعاء إلى غيره ، وقُيِّد في الحديث
بالعلم ، ولا بد منه في الحالتين ، إثباتاً ، ونفياً ؛ لأن الإثم إنما يترتب على
العالم بالشيء ، المتعمد له .
"فتح الباري" (6/541) .
رابعاً :
يجوز تعلم النسب من أجل زيادة الروابط والصلة بين الأسر ، والقبيلة ، فهذا مقصود
شرعي حثت عليه الشريعة المطهرة ، كما أن عكسه محرَّم ، وهو نفي النسب عن الآخرين من
أجل تقطيع الرحِم ، فهذه نية آثمة يضاف إثمها إلى إثم الطعن في النسب .
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ : (تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ
أَرْحَامَكُمْ ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ ، مَثْرَاةٌ فِي
الْمَالِ مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ) رواه الترمذي (1979) ، وصححه الألباني في "صحيح
الترمذي" .
(مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ) يَعْني : زِّيَادَةَ فِي الْعُمُرِ
.
قال
ابن عبد البر رحمه الله :
ولعمْري ما أنصف القائل : "إن عِلْم النسب عِلْم لا يَنفع ، وجَهالة لا تضر" ؛ لأنه
بَيِّن نفعُه لما قدّمنا ذكره ؛ ولما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(كُفْرٌ بالله تبرُّؤ من نسب وإن دق ، وكفر بالله ادعاء إلى نَسب لا يُعرف) - رواه
أحمد وابن ماجه ، وحسَّنه الأرناؤط والألباني - .
وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه مثلُه .
"الإنباه عن قبائل الرواة" (ص 1) .
وعن
جبير بن مطعم أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول على المنبر : (تعلموا
أنسابكم ، ثم صِلوا أرحامكم ، والله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء ، ولو
يعلم الذي بينه وبينه من داخلة الرحم : لأوزعه ذلك عن انتهاكه) رواه البخاري في
"الأدب المفرد" (72) وحسَّنه الألباني في "صحيح الأدب المفرد" .
خامساً :
الناس مؤتمنون على أنسابهم , فلا يحل لأحدٍ أن ينفي نسب أحدٍ دون بينة شرعية ، وقد
كثر في المنتديات مثل هذا النفي لأنساب الناس ؛ عصبية ، وجهلاً ، والميزان عند بعض
الناس الجنسية ! فيظنون أن من كان من جنسية غير بلدهم أنه مدعٍ ، وكاذب ، إذا انتسب
لقبيلة عريقة ، أو لأهل البيت ، ويغفلون أن تقسيم الأمة إلى دويلات لم يكن إلا
حديثاً على أيدي المستعمرين ، وأن القبائل العريقة قد هاجر بعض منهم إلى دول
الإسلام لطلب الرزق ، أو بسبب مصاهرة ، أو جلاء بسبب دم ، وخوفاً من الثأر ، وكل
ذلك محتمل ، والأصل فيمن ادعى نسباً أنه مؤتمن على ذلك ، ما لم تكن يثبت أنه كاذب .
وقد
سئل
الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :
أُثر عن الإمام مالك رحمه الله قول : "الناسُ مُؤْتَمَنُونَ على أنسابهم" ، فهل هذا
يعني عدم تكذيب من نَسَبَ نفسه إلى قبيلة معينة ؛ لأنه هو المَعْنِيُّ بذلك وحده ؟
.
فأجاب :
إذا
اشتهر أن هذا الرجل ينتسب إلى القبيلة الفلانية : فلا حاجة إلى إقامة بيِّنة خاصة ؛
لأن الاشتهار في هذا يكفي ، فهو من الأمور التي يُشهَد عليها بالاستفاضة .
نقلها الشيخ خالد الجريسي في كتابه "العصبية القبلية من المنظور الإسلامي" (132) .
وسئل الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله السؤال السابق – فأجاب :
معنى كلامه رحمه الله – يعني : الإمام مالكاً - أن الإنسان إذا انتسب إلى قبيلة ،
وانتمى إليها : فإنه يقبل ذلك منه ، إذا كان محل ثقة ، وصدق ، وأمانة ، ولا يشترط
موافقة جميع تلك القبيلة ؛ فقد يكون ممن نزح عنها ، وقد بقي متمسكًا بنسَبه ، حتى
يعرف من هو أقرب إليه في الميراث ، والولاء ، ونحو ذلك ، فإذا تسمّى إنسانٌ بأنه من
قبيلة بني فلان : فإنه مأمونٌ على نفسه ، ما لم يكن هناك دليل على خطئه ، ونحوه .
المصدر السابق (136) نقلاً عن "الفتاوى الشرعية في المسائل العصرية" (1460 ، 1461)
.
وعلى هذا فلا يجوز أحد أن يطعن في نسب أحد ، إلا إذا أقام البينة على ما يقول .
ولا
يجوز أن يكون هدفه من ذلك : تقطيع الأرحام والصلات بين الناس ، أو التشفي أو
التعالي على الناس .
مع
ضرورة حرص الجميع على الإيمان وتقوى الله تعالى ، فبهذا يكون تفاضل الناس عند الله
تعالى ، فرُبَّ رجلٍ من أهل البيت نسباً ، ولكنه فاجر فاسق ، وربَّ رجلٍ أعجمي ليس
من العرب وهو عند الله تقي .
نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يتقونه حق تقاته .
والله أعلم .