الجواب :
الحمد لله
أولا :
أمر
الله عز وجل عباده بالتعفف عن الزنا والفجور ، وشرع الله الزواج ليعفوا أنفسهم عن
الحرام والقذر ، بالحلال والطهر الذي شرعه الله لعباده .
ولما كان في علم الله تعالى أن كثيرا من الناس تتوق نفسه إلى الزواج ، غير أنه يعجز
عن مؤنته ، أرشده بالصبر والتعفف إلى أن يجعل الله له فرجا ومخرجا . قال الله تعالى
:
(
وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ
إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ
عَلِيمٌ * وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ
اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) النور/32-33 .
وقد
أرشد النبي صلى الله عليه وسلم ، في الحديث المذكور في السؤال ، إلى الزواج الذي هو
أعظم أسباب العفة ، فضلا عن المصالح العظيمة الأخرى التي تترتب عليه ، من تكثير نسل
المسلمين ، وغير ذلك ، وأرشد من عجز عنه إلى إضعاف توقان نفسه ، وكسر شهوتها بالصوم
.
قال
الحافظ ابن حجر رحمه الله :
"
وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمَطْلُوب مِنْ الصَّوْم فِي الْأَصْل كَسْرُ
الشَّهْوَة " انتهى .
واستنبط بعض أهل العلم حكمة أخرى من الأمر بالصوم في هذا الحديث ، إضافة إلى ما ذكر
من كسر الشهوة . قال الإمام القاضي تقي الدين السبكي رحمه الله :
"
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } فَقِيلَ
فِي تَفْسِيرِهِ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الْمَعَاصِيَ
لِأَنَّ الصَّائِمَ أَظَلْفُ لِنَفْسِهِ وَأَرْدَعُ لَهَا مِنْ مُوَاقَعَةِ
السُّوءِ ، وَهُوَ أَحَدُ الْمَعَانِي فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ { فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ } ؛ فَفَهِمَ كَثِيرٌ
مِنْ النَّاسِ أَنَّ ذَلِكَ لِإِضْعَافِ الصَّوْمِ الْبَدَنَ فَتَضْعُفُ
الشَّهْوَةُ ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَالْمَعْنَى الْمَذْكُورُ زَائِدٌ
عَلَيْهِ حَاصِلٌ مَعَهُ ؛ وَهُوَ أَنَّ الصَّوْمَ يَكُونُ حَامِلًا لَهُ عَلَى مَا
يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ ، إمَّا لِبَرَكَةِ الصَّوْمِ ، وَإِمَّا لِأَنَّ
حَقِيقًا عَلَى الصَّائِمِ أَنْ يَكُفَّ ، فَإِنَّهُ إذَا أُمِرَ بِالْكَفِّ عَنْ
الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ الْمُبَاحَيْنِ ، فَالْكَفُّ عَنْ الْحَرَامِ أَوْلَى" انتهى
.
"فتاوى السبكي" (1/435) .
ثانيا :
الأمر بالصيام في هذا الحديث ليس على الوجوب ، بل هو على الاستحباب ، كما هو مقرر
عند أهل العلم ، ولا نعلم أحدا قال بوجوبه
.
قال
ابن بطال رحمه الله :
"
ذهب جماعة الفقهاء إلى أن النكاح مندوب إليه مرغب فيه ، وذهب أهل الظاهر إلى أنه
فرض على الرجل والمرأة ، مرة فى الدهر ... ، واحتجوا بظاهر هذا الحديث ، وحملوا
أمره عَلَيْهِ السَّلام بالنكاح على الإيجاب . قالوا : ولكنه أمر لخاص من الناس ،
وهم الخائفون على أنفسهم العنت بتركهم النكاح ، فأما من لم يخف العنت ، فهو غير
مراد بالحديث ...
واحتج أهل المقالة الأولى بقوله : ( ومن لم يستطع فعليه بالصيام ) ، وإذا كان
الصوم الذى هو بدل عن النكاح ليس بواجب فمبدله مثله " . انتهى .
"شرح صحيح البخاري" لابن بطال (7/262) ، ونقله عنه الحافظ ابن حجر وأقره . ينظر:
فتح الباري (9/110) .
والله أعلم .