الجواب :
الحمد لله
لا
شك أن طاعة الوالدين وبرهما من أعظم القربات ، قال الله عز وجل : ( وَقَضَى رَبُّكَ
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) الإسراء/23 .
وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : (سَأَلْتُ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ
الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا . قُلْتُ : ثُمَّ أَيٌّ
؟ قَالَ : ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ . قُلْتُ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : الْجِهَادُ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . متفق عليه .
إلا
أن طاعة الوالدين إنما تكون إذا أمرا بمعروف ، لا منكر .
روى
الإمام أحمد (1098) عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ) صححه الألباني في "الصحيحة" (179) وأصله في الصحيحين ، ولفظه : (لَا
طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ) .
قال
أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله :
"أجمع العلماء على أن من أمر بمنكر لا تلزم طاعته ، قال الله عز وجل :
(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ
وَالْعُدْوَانِ)" انتهى .
"التمهيد" (23 / 277)
والدراسة في بلاد الغرب في جامعة مختلطة ليست من المعروف الذي يجب أن يطاع فيه
الوالدان، وإنما هي من المنكر الذي يجب عدم طاعتهما فيه ، ولكن بسلوك طريق الأدب
والرفق والحرص على عدم السخط والغضب .
وقد
سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :
هل
يجوز للأخوات أن يدخلن ويتعلمن في المدارس والجامعات المختلطة ، حيث لا يوجد في
بلاد الغرب إلا التعليم المختلط ، ولكن الأخوات يلتزمن بالزي الإسلامي مع مضايقات
الكفار؟
فأجابوا :
"اختلاط الرجال والنساء في التعليم حرام ومنكر عظيم ؛ فما فيه من الفتنة وانتشار
الفساد وانتهاك المحرمات ، وما وقع بسبب هذا الاختلاط من الشر والفساد الخلقي لهو
من أوضح الدلائل على تحريمه ، وإذا انضاف إلى ذلك كونه في بلاد الكفار كان أشد حرمة
ومنعا ، وتعلم المرأة بالمدارس والجامعات ليس من الضرورات التي تستباح بها المحرمات
، وعليها أن تتعلم بالطرق السليمة البعيدة عن الفتن " انتهى .
"فتاوى اللجنة الدائمة" (12 / 181-182) .
وسئلوا أيضاً : ما حكم الإسلام في خروج المرأة لتعلم العلم الدنيوي ، مع أنها تتحمل
في هذا الخروج بعض المعاصي مثل : خلع النقاب ، والاختلاط بالرجال ، وتضيع الوقت
فيما لا ينفع . مع العلم أن والدي يأمرني بالذهاب إلى الجامعة ، فلما أصريت على عدم
الذهاب غضبوا علي غضبا شديدا جدا ، فهل علي أن أطيعهم في هذا الأمر ؟ وإذا لم
أطعهما فهل في هذه الحالة أأثم ؟ فأجابوا :
"خلع الحجاب محرم ، والاختلاط بالرجال في التعليم محرم ، ولا تجب طاعة الوالدين في
معصية الله تعالى ، ولا إثم عليك في ذلك" انتهى .
"فتاوى اللجنة الدائمة" (17 / 262) .
ثانياً :
لا
يجوز لولي المرأة أن يمنعها من الخروج إلى المسجد ، ما دامت تخرج ملتزمة بالآداب
والأحكام الشرعية ، ولا يترتب على خروجها مفسدة أو فتنة ، وذلك لما رواه البخاري
(900) ومسلم (442) أن النبي صَلَّى
اللَّهُ
عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ
قَالَ
:
(لَا
تَمْنَعُوا
إِمَاءَ
اللَّهِ
مَسَاجِدَ
اللَّهِ) .
ويتأكد هذا النهي إذا كان الأب إنما يمنع ابنته عقاباً لها على فرارها من معصية
الله (كالتعليم الجامعي المختلط في بلاد الغرب) .
فهذا عقاب لها على أنها أطاعت الله تعالى ، وهذا لا شك أنه لا يجوز .
والذي ننصحك به هو الرفق ، ومعالجة الأمر بالحكمة والموعظة الحسنة ، مع كمال حسن
الأدب حين التحدث إليه ، ولا بأس من الاستعانة بمن يمكنه أن يجلي للوالد حقائق
الأمور ، ويبصره بحكم الشريعة في مثل تلك القضايا ، ويذكره بالله تعالى ، من أهل
النصح والعقل ممن يمكن للوالد تقبل نصحه وكلامه .
والله يسددكم ويرعاكم ويحفظكم من كل سوء ، إنه سميع قريب .
والله أعلم