الحمد لله
الحديث رواه الترمذي
( كتاب صفة القيامة والورع/2429) ، ولفظه : " من عيَّر أخاه بذنب
لم يمت حتى يعمله " .
والحديث قال عنه الشيخ الألباني في "
ضعيف الجامع " رقم ( 5710 ) : ( موضوع ) .
والحديث الضعيف والموضوع لا يُبنى عليهما
أحكام ولا يُعمل بهما .
أما معنى الحديث ، فقال الشيخ المباركفوري
:
قَوْلُهُ : ( مَنْ عَيَّرَ ) مِنْ التَّعْيِيرِ
أَيْ عَابَ ( أَخَاهُ ) أَيْ فِي الدِّينِ ( بِذَنْبٍ ) أَيْ قَدْ تَابَ مِنْهُ
عَلَى مَا فَسَّرَ بِهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ ( لَمْ يَمُتْ ) الضَّمِيرُ لِمَنْ
( حَتَّى يَعْمَلَهُ ) أَيْ الذَّنْبَ الَّذِي عَيَّرَ بِهِ أَخَاهُ , وَكَأَنَّ
مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ أَيْ عَابَهُ مِنْ الْعَارِ , وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ لَزِمَ
بِهِ عَيْبٌ كَمَا فِي الْقَامُوسِ يُجَازَى بِسَلْبِ التَّوْفِيقِ حَتَّى يَرْتَكِبَ
مَا عَيَّرَ أَخَاهُ بِهِ وَذَاكَ إِذَا صَحِبَهُ إِعْجَابُهُ بِنَفْسِهِ لِسَلامَتِهِ
مِمَّا عَيَّرَ بِهِ أَخَاهُ .
" تحفة الأحوذي " ( 7 / 173 ) .
هذا ، ولا يعني ضعْف الحديث جواز التعيير
لمن وقع في الذنب ، والذي يقع منه الذنب أقسام :
منهم من يتوب ويرجع إلى ربه تعالى أو يقام
عليه الحد ، فهذا لا يحل تعييره لأنه طهَّر نفسه بالتوبة أو بالحد وقد قال النبي
صلى الله عليه وسلم " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " رواه
ابن ماجه ( 4240 ) وصححه البوصيري كما في " الزوائد / حاشية سنن ابن ماجه
" .
وقد حل الإمام أحمد العقوبة التي في الحديث
على من عيَّر من تاب من ذنبه كما نقل عنه الترمذي بعد تخريجه الحديث قال : قال
أحمد : مِن ذنب قد تاب منه .
ومنهم من يعمل الذنب ولا يجهر به ، فيجب
على من علم به نصحه والستر عليه .
ومنهم من يجهر بذنبه ، فهذا ينصح كذلك ،
ويحذَّر منه حسب المقام الذي يقتضي التحذير .
قال ابن القيم رحمه الله :
ويحتمل أن يريد : أن تعييرك لأخيك بذنبه
أعظم إثما من ذنبه وأشد من معصيته لما فيه من صولة الطاعة وتزكية النفس وشكرها
والمناداة عليها بالبراءة من الذنب ، وأن أخاك باء به ، ولعل كسرته بذنبه وما
أحدث له من الذلة والخضوع والإزراء على نفسه والتخلص من مرض الدعوى والكبر والعجب ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس خاشع الطرف منكسر القلب : أنفع له وخير من صولة طاعتك وتكثرك بها والاعتداد بها والمنة على الله وخلقه بها .
فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله ، وما
أقرب هذا المُدِّل من مقت الله ، فذنب تذل به لديه أحب إليه من طاعة تُدِلُّ بها عليه ، وإنك أن تبيت نائما وتصبح نادما خير من أن تبيت قائما وتصبح معجبا ؛ فإن المعجب لا يصعد له عمل ، وإنك أن تضحك وأنت معترف خير من أن تبكي وأنت مدل ، وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المُدِلِّين ، ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا هو فيك ولا تشعر ، فلله في أهل طاعته ومعصيته أسرار لا يعلمها إلا هو ولا يطالعها إلا أهل البصائر فيعرفون
منها بقدر ما تناله معارف البشر ووراء ذلك مالا يطلع عليه الكرام الكاتبون ،
وقد قال النبي : " إذا زنت أمة أحدكم فليُقم عليها الحد ولا يُثرَّب "
أي : لا يعير ، كقول يوسف عليه السلام لإخوته { لا تثريب عليكم اليوم } فإن الميزان
بيد الله ، والحكم لله ، فالسوط الذي ضُرب به هذا العاصي بيد مقلب القلوب ، والقصد
إقامة الحد لا التعيير والتثريب ، ولا يأمن كرات القدر وسطوته إلا أهل الجهل
بالله ، وقد قال الله تعالى لأعلم الخلق به وأقربهم إليه وسيلة { ولولا أن ثبَّتناك
لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } وقال يوسف الصديق { وإلا تصرف عني كيدهن أصب
إليهن وأكن من الجاهلين } وكانت عامة يمين رسول الله " لا ، ومقلِّب القلوب
" ، وقال : " ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل
إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه " ثم قال : " اللهم
مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك
" .
" مدارج السالكين ( 1 / 177 ، 178 ) .
والله أعلم.