الجواب :
الحمد لله
وردت صيغ متنوعة لإلقاء السلام في الكتاب والسنة ، فلا حرج على المسلم أن يختار
منها ما يشاء ، غير أن الأفضل له أن يختار أكملها وأفضلها حتى يكون ذلك أكثر لثوابه
.
وانظري بعض هذه الصيغ في جواب السؤال رقم (132956)
و (128338)
.
وإلقاء السلام ورده ـ بلا شك ـ من العبادات التي حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم
، وأمر بها ، والحكم في العبادات : أنه لا يجوز تغيير ألفاظها ولا كيفياتها عما
وردت به النصوص .
قال
علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :
"الأصل في الأذكار وسائر العبادات الوقوف عند ما ورد من عباراتها وكيفياتها في كتاب
الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم " انتهى .
"فتاوى اللجنة الدائمة" (6/87) .
ولماذا يعدل المسلم عن الألفاظ النبوية والهدي النبوي إلى غيره ، وقد قال النبي صلى
الله عليه وسلم : (خَيْرُ
الْهُدَى
هُدَى
مُحَمَّدٍ
صلى
الله عليه وسلم) رواه مسلم (867) .
والسلام شرعه الله تعالى لآدم عليه السلام وذريته إلى قيام الساعة ، بل تستمر تحية
المؤمنين : "السلام" ، حتى بعد دخول الجنة .
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الله تعالى لما خلق آدم قَالَ له : (اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى
أُولَئِكَ النَّفَرِ - وَهُمْ نَفَرٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ - فَاسْتَمِعْ
مَا يُجِيبُونَكَ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ .
قَالَ : فَذَهَبَ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ . فَقَالُوا : السَّلَامُ
عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ . قَالَ : فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) ، فالسلام
تحية آدم وذريته .
وروى البخاري في "الأدب المفرد" (989) عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : (إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه الله في الأرض ، فأفشوا
السلام بينكم) وحسنه الألباني في "صحيح الأدب المفرد" (764) .
وأما في الآخرة :
فقد
قال الله تعالى : (تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ) إبراهيم/23 .
وقال تعالى : (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً
حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ
عَلَيْكُمْ) الزمر/73 ، وقال سبحانه : (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ
مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)
الرعد/23 ، 24 .
فإذا كان الأمر كذلك فالذي ينبغي عدم تغيير ألفاظ هذه العبادة ، ولا الزيادة عليها
، فهي سنة الأنبياء والمرسلين ، وهي شعار المؤمنين من جميع الأمم .
أما
الصيغتان الواردتان في السؤال ، فالأولى :
"
سلام عليكم من ربّ غفور رحيم " :
فإذا قال هذا مرة أو مرتين فلا بأس به ، مع اعتقاد أن اللفظ النبوي أفضل ، أما أن
يتخذ ذلك شعاراً ، ويداوم عليه ، فأقل ما يقال فيه : إنه مكروه ، لما فيه من
المداومة على مخالفة السنة ، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير .
وينبغي أن يكون قصد المُسَلِّم بهذا : الدعاء لمن سلَّم عليهم بأن الله تعالى الرب
الغفور الرحيم يسلمهم ، ويكتب لهم السلامة .
أما
إذا كان قصده الاقتداء بقوله تعالى : (أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ
فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ *
لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلامٌ قَوْلاً مِنْ
رَبٍّ رَحِيمٍ) يس/55 ـ 58 ، فهذا خطأ في فهم الآية ، لأن معنى الآية : أن
هذا السلام الحاصل لأهل الجنة ، هو من الله تعالى الرب الرحيم ، فالله تعالى هو
الذي يسلم على أهل الجنة .
وانظر : "تفسير ابن كثير" (3/754) ، و "تفسير السعدي" (ص 821) .
الصيغة الثانية التي وردت في السؤال : قول القائل : "بسم الرب الأعظم أبدأ الكلام ،
وعلى نبيه الكريم أرسل السلام" .
فهذه ليست من صيغ السلام المشروع إفشاؤه بين الناس ، وليس فيها : التسليم على الناس
، إنما فيها إرسال السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
ومع
ذلك ، فقوله : "وعلى نبيه الكريم أرسل السلام" ، محل نظر .
فإنه لا يقال : أُرسل السلام إلى رسول الله ، وأبعث بالسلام إلى رسول الله ، ونحو
ذلك .
وإنما يقال : السلام على رسول الله ، أو : اللهم صلِّ وسلِّم على محمد ، كما يقال
في التشهد في الصلاة : (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) .
ثم
الاقتصار على السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط فيه نظر آخر ، فإن الله
تعالى أمرنا بالصلاة والسلام عليه ، فقال : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ
يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ
وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) الأحزاب/56 .
ولهذا قال النووي رحمه الله :
"إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فليجمع بين الصلاة والتسليم ، ولا يقتصر على
أحدهما ، فلا يقل : "صلى الله عليه فقط" ولا : "عليه السلام" فقط" انتهى .
"الأذكار" (ص 107) .
والله أعلم