الجواب :
الحمد لله
أولا :
في
التمهيد للجواب عن هذا السؤال لا بد من التذكير بأن الله سبحانه وتعالى قد تكفل
بحفظ القرآن الكريم من التبديل والتغيير ، ومقتضى ذلك أيضا أن يحفظ الحق سبحانه
وتعالى مجمل السنة – التي هي شارحة للقرآن ومبينة لمعناه – من التبديل والتغيير
العام .
قال
الله تعالى :
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر/9.
قال
الإمام ابن حزم رحمه الله :
"
فمضمون عند كل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن ما تكفل الله عز وجل بحفظه : فهو غير
ضائع أبدا ، لا يشك في ذلك مسلم ، وكلام النبي صلى الله عليه و سلم كله وحي ، بقوله
تعالى : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى )
النجم/3، 4 . والوحي ذكر بإجماع الأمة كلها ، والذكر محفوظ بالنص ؛ فكلامه عليه
السلام محفوظ بحفظ الله عز و جل ضرورة ، منقول كله إلينا لا بد من ذلك " . انتهى .
"الإحكام في أصول الأحكام" (2/201) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
"
ولكن هذه الأمة حفظ الله لها ما أنزله ، كما قال تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر
وإنا له لحافظون) فما في تفسير القرآن ، أو نقل الحديث ، أو تفسيره ، مِن غلط : فإن
الله يقيم له من الأمة مَن يبينه ويذكر الدليل على غلط الغالط وكذب الكاذب ، فإن
هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة ، ولا يزال فيها طائفة ظاهرة على الحق حتى تقوم
الساعة ، إذ كانوا آخر الأمم ، فلا نبي بعد نبيهم ، ولا كتاب بعد كتابهم " انتهى.
"
الجواب الصحيح " (3/38-39)
وقال أيضا رحمه الله :
"
فما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة محفوظ " انتهى.
"
مجموع الفتاوى " (27/169)، ونحوه في " جامع المسائل " (4/162)
وقال الشيخ المعلمي رحمه الله :
" (
الذِّكْر ) يتناول السنة بمعناه إن لم يتناولها بلفظه ، بل يتناول العربية وكل ما
يتوقف عليه معرفة الحق ، فإن المقصود من حفظ القرآن أن تبقى الحجة قائمة ، والهداية
دائمة إلى يوم القيامة ؛ لأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء ،
وشريعته خاتمة الشرائع ، والله عز وجل إنما خلق الخلق لعبادته ، فلا يقطع عنهم طريق
معرفتها ، وانقطاع ذلك في هذه الحياة الدنيا وانقطاع لعلة بقائهم فيها " انتهى.
"
التنكيل " (1/234)
وقد
علق الملا علي القاري في " شرح نخبة الفكر " (ص/446) لما قيل لابن المبارك : هذه
الأحاديث الموضوعة ! قال : يعيش لها الجهابذة - أي نقاد الحديث وحذاقهم -، قال الله
تعالى: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) انتهى . وكأنه أراد أنه من جملة
حفظ لفظ الذكر حفظُ معناه ، ومن جملة معانيه : الأحاديث النبوية الدالة على توضيح
مبانيه ، كما قال تعالى : ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) ففي الحقيقة تكفّل الله
تعالى بحفظ الكتاب والسنة " انتهى.
ثانيا :
نحن
لا ننفي أن ثمة من روايات الحديث ما روي بالمعنى ، وما تصرف فيه بعض الرواة، ولكننا
نقطع بأن هذا التغيير إنما كان بقدر يسير لا يغير المعنى ، بل يحافظ على المضمون ،
ولا يؤثر على حجية السنة الصحيحة واعتقاد نسبة مضمونها للنبي صلى الله عليه وسلم ،
وذلك لأوجه كثيرة جدا ، تحتاج إلى دراسة مستقلة مفصلة في بيانها والاستدلال عليها
ونقل تقريرات العلماء لها ، ولكننا نجمل بعضها في الأسباب الآتية :
1-العصمة التي تكفل بها رب العزة ، أن يحفظ هذا الدين العظيم القائم على الكتاب
والسنة الصحيحة ، وقد سبق بيان ذلك .
2-تفاني الصحابة رضوان الله عليهم في حفظ العلم والدين ، والتلقي عن النبي الكريم
صلوات الله وسلامه عليه ، وتبليغ كلامه للناس ، وقد بدا هذا التفاني في مظاهر كثيرة
، وصور جليلة عظيمة ، كان منها أن بعض الصحابة رحل مسيرة شهر لسماع حديث واحد .
3-تفاني التابعين ومن بعدهم في حفظ الحديث وروايته وكتابته والرحلة في طلبه ، وهذا
أيضا بحر لا ساحل له ، فكم أفنيت فيه من أعمار ، وأنفقت فيه من أموال ، وسطرت فيه
من كتب ، وما مئات الكتب المعروفة اليوم باسم كتب الرجال والتراجم إلا نقطة يسيرة
في ذلك البحر الواسع ، ولا شك أن هذا التفاني سياج يحمي السنة من التحريف والتبديل
والضياع .
4-كتابة السنة النبوية بدأت منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن بدايتها على
يد البخاري رحمه الله ، بل كان دور البخاري الجمع والانتقاء والترتيب فقط ، والدليل
على ذلك حديثان صحيحان : عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : ( كُنْتُ
أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفْظَهُ ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ ، وَقَالُوا : أَتَكْتُبُ كُلَّ
شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ
يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا ، فَأَمْسَكْتُ عَنْ الْكِتَابِ ، فَذَكَرْتُ
ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَوْمَأَ
بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ : اكْتُبْ ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا
يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ ) رواه أبو داود (3646)، كما أمر رسول الله صلى الله
عليه وسلم بكتابة الحديث لرجل أُمَّيٍّ من أهل اليمن يُدعى " أبو شاه " ، حيث جاء
في حديث أبي هريرة رضي الله عنه : ( فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ
لَهُ أَبُو شَاهٍ فَقَالَ : اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ ) رواه البخاري (6880) ومسلم (1355) .
وقد
جاء بالأسانيد الصحيحة تسمية العشرات من الصحابة رضوان الله عليهم ممن كَتَب أحاديث
النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى اشتهرت بعض الصحف التي تحوي عشرات الأحاديث شهرةً
واسعةً : كصحيفة أبي بكر في فرائض الصدقة ، وصحيفة علي بن أبي طالب ، والصحيفة
الصادقة لعبد الله بن عمرو ، وصحيفة جابر بن عبد الله ، والصحيفة الصحيحة التي
يرويها همام عن أبي هريرة من حديثه ، وأكثر هذه الصحف الحديثية مروية في صحيح
البخاري ، يسوقها رحمه الله بسنده إليها ، والرواة من التابعين والأئمة من بعدهم
إنما كانوا ينقلون من كتبهم وصحفهم ، ولم يكونوا يكتفون بالحفظ من غير تدوين ، حتى
إن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ، وهو جبل الحفظ والإتقان ، كان لا يروي حديثا
إلا من كتابه ، وكان عبد الرزاق الصنعاني يقول لتلميذه يحيى بن معين : اكتب عني
حديثا واحدا بلا كتاب ، فقال : لا ، ولا حرفا .
ومن توسع في الاطلاع على كتب الرجال تبين له أن عمل الإمام البخاري رحمه الله إنما
هو عمل الناقل الناقد ، وليس عمل المدون لما هو محفوظ في الصدور فقط ، وهذه مسألة
خطيرة مهمة ، غفل – أو تغافل – عنها كثير من الناس ، فمن أراد الاطلاع على جميع ما
ورد فيها فليرجع إلى ثلاثة كتب مهمة هي : " تقييد العلم " للخطيب البغدادي ، " جامع
بيان العلم وفضله " لابن عبد البر ، " دراسات في الحديث النبوي " لمحمد مصطفى
الأعظمي . قال الدكتور حاكم المطيري حفظه الله : " وقد ذَكَرت كثيرٌ من المصادر
التاريخية أسماء كتب كثيرة في الحديث النبوي ، وذكرت أسماء مؤلفيها ، وهم من علماء
القرن الأول الهجري ، وكانت هذه الكتب متداولة بين علماء القرنين الثاني والثالث
الهجريين " انتهى. نقلا من كتابه الرائع " تاريخ تدوين السنة النبوية وشبهات
المستشرقين " (ص/113)، وهو من أعظم الكتب التي تشرح حقيقة وجود مؤلفات في الحديث
النبوي منذ القرن الأول، وترد على شبهات المستشرقين في دعواهم تحريف السنة النبوية.
5-الرواية بالمعنى - وإن كانت واقعة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم – إلا أن
المحدثين اشترطوا لقبولها أن يكون الراوي عالما باللسان العربي ، عالما بما يحيل
المعاني ويُغَيِّرُها ، ولم يكونوا يقبلون من كل راو روايته بالمعنى ، فضلا عن أن
كثيرا من الرواة والأئمة لم يكونوا يستحلون الرواية بالمعنى ، بل يأخذون أنفسهم
بالأشد ، وهو أداء اللفظ كما هو ، منهم عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ، ونافع
مولى ابن عمر ، والقاسم بن محمد ، ومحمد بن سيرين ، ورجاء بن حيوة ، وأبي معمر
الأزدي ، وعبد الله بن طاوس ، ومالك بن أنس ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وغيرهم .
6-ثم إن تعدد طرق الحديث الواحد من أهم ما يساعد على تدقيق أقرب الألفاظ إلى اللفظ
النبوي الصحيح ، فقد يسر الله عز وجل للسنة النبوية تعدد الأسانيد والطرق التي تؤدي
الحديث الواحد ، وهذه ثروة يمكن الاستفادة منها في الدراسة والمقارنة كي نصل إلى
أقرب الألفاظ الصحيحة .
7-كما أن علم " نقد الحديث " المسمى بعلم " العلل " من أهم العلوم الإنسانية التي
أبدع فيها النقاد والمحدثون لتمييز الصواب من الخطأ في الروايات ، وقد سطر فيه
العلماء آلاف الصفحات ، ملؤوها بالحكم على الروايات ودراستها وتمييز الصحيح من
الضعيف منها ، وهذا أيضا من أهم عوامل حفظ السنة النبوية من التغيير والتبديل .
8- ومما يخفى على كثير من الناس في هذا الشأن أن تعدد روايات الحديث الواحد في كثير
من الأحيان لا يكون بسبب الرواة ، بل يكون بسبب تنوع ألفاظ النبي صلى الله عليه
وسلم بين الحين والآخر ، فقد كان كثيرا ما يحدث بالحديث في أكثر من مجلس ، فيروي كل
صحابي ما سمعه في ذلك المجلس ، كما قد يكون السبب هو تكرر الحادثة في أكثر من
مناسبة ، فيروي كل صحابي إحدى تلك المناسبات ، وللاطلاع على أمثلة ذلك يمكن مراجعة
رسالة صغيرة بعنوان: " أسباب تعدد الروايات في الحديث النبوي الشريف " للدكتور شرف
القضاة.
والله أعلم .