الجواب :
الحمد لله
أولا :
روى ابن ماجة (2043) عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ
عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ) .
صححه الألباني في "صحيح ابن ماجة" .
وقال الحافظ في الفتح (5/161) :
" وَهُوَ حَدِيث جَلِيل , قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ نِصْف
الْإِسْلَام , لِأَنَّ الْفِعْل إِمَّا عَنْ قَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ أَوْ لَا ,
الثَّانِي مَا يَقَعُ عَنْ خَطَأٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ إِكْرَاهٍ ، فَهَذَا
الْقِسْم مَعْفُوٌّ عَنْهُ بِاتِّفَاقٍ وَإِنَّمَا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ : هَلْ
الْمَعْفُوُّ عَنْهُ الْإِثْم أَوْ الْحُكْم أَوْ هُمَا مَعًا ؟ وَظَاهِر الْحَدِيث
الْأَخِير , وَمَا خَرَجَ عَنْهُ كَالْقَتْلِ فَلَهُ دَلِيل مُنْفَصِل " انتهى .
وقال الشاطبي رحمه الله :
" فالعمل إذا تعلق به القصد تعلقت به الأحكام التكليفية ، وإذا عري عن القصد لم
يتعلق به شيء منها " انتهى .
"الموافقات" (3 / 9) .
ثانيا:
روى البيهقي في "السنن الكبرى" (15499) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَالَ : " لَيْسَ لِمُكْرَهٍ طَلاَقٌ " وصححه ابن القيم في "إعلام الموقعين" (3/38)
وهو المروى عن علي وابن الزبير وابن عمر وغيرهم من السلف رضي الله عنهم .
راجع : "مصنف ابن أبي شيبة" (5/48-49) ، "سنن البيهقي" (7/357-359) ، "مصنف عبد
الرزاق" (6/407-411) .
وقد ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ وُقُوعِ طَلاَقِ الْمُكْرَهِ إِذَا
كَانَ الإِْكْرَاهُ شَدِيدًا ، كَالْقَتْل ، وَالْقَطْعِ ، وَالضَّرْبِ
الْمُبَرِّحِ ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِي إِغْلاَقٍ ) وَلِلْحَدِيثِ
الْمُتَقَدِّمِ : ( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ
وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ) وَلأَِنَّهُ مُنْعَدِمُ الإِْرَادَةِ وَالْقَصْدِ ،
فَكَانَ كَالْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ ، فَإِذَا كَانَ الإِْكْرَاهُ ضَعِيفًا ، أَوْ
ثَبَتَ عَدَمُ تَأَثُّرِ الْمُكْرَهِ بِهِ ، وَقَعَ طَلاَقُهُ لِوُجُودِ
الاِخْتِيَارِ " .
"الموسوعة الفقهية" (29 / 17-18) ، وينظر : أيضا : "الموسوعة الفقهية" (22 / 231) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ ، وَالْإِكْرَاهُ يَحْصُلُ إمَّا
بِالتَّهْدِيدِ أَوْ بِأَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَضُرُّهُ فِي نَفْسِهِ
أَوْ مَالِهِ بِلَا تَهْدِيدٍ .
وكَوْنُهُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ تَحَقُّقَ تَهْدِيدِهِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ ، بَلْ
الصَّوَابُ أَنَّهُ لَوْ اسْتَوَى الطَّرَفَانِ لَكَانَ إكْرَاهًا . وَأَمَّا إنْ
خَافَ وُقُوعَ التَّهْدِيدِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُهُ فَهُوَ مُحْتَمَلٌ فِي
كَلَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ . وَلَوْ أَرَادَ لِلْكُرْهِ وَإِيقَاعِ الطَّلَاقِ
وَتَكَلَّمَ بِهِ وَقَعَ " انتهى .
"الفتاوى الكبرى" (5 / 489-490) .
وسئلت اللجنة الدائمة :
كان بينه وبين زوجته سوء تفاهم ، فأخذت بحلقه بحضرة نسيبها وأختها وطالبته بطلاقها
، فطلقها مكرها على ذلك بقوله لها : طالقة طالقة ؟
فأجابت اللجنة : " ذكر السائل : أنه طلق زوجته مكرها ، وذلك حينما أخذت بحلقه ،
فإذا غلب على ظنه أنها جادة وخشي أن تفتك به أو تلحق به أذى يجحف به ، لا يستطيع
رده إلا بإجابتها إلى ما طلبت ، وذلك بتطليقه إياها - فهذا يعتبر طلاق إكراه .
أما إذا كان فعلها معه لا يصل إلى حد الإكراه ، حيث إنه يستطع تخليص نفسه دون أن
يلحقه أذى ، ومع ذلك استجاب لها وطلقها - فطلاقه واقع " انتهى ملخصا .
"فتاوى اللجنة الدائمة" (20 / 42-43) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" إنما يقع الطلاق إذا أراده الإنسان إرادةً حقيقية وكتبه بيده أو نطقه بلسانه
مريداً له غير ملجأ إليه ولا مغلقٍ عليه ولا مكره ، فهذا الذي يقع طلاقه " انتهى .
"فتاوى نور على الدرب" (10/359)
ثالثا :
ذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا جاز للمكره أن يفعل شيئا ، أو يقول قولا ، حفاظا على
دمه أو ماله أو عرضه ، جاز له فعل ذلك ـ أيضا ـ أو قوله ، حفاظا على دم أخيه ، أو
ماله ، أو عرضه .
قال الإمام البخاري رحمه الله :
" باب يَمِينِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ إِنَّهُ أَخُوهُ ، إِذَا خَافَ عَلَيْهِ
الْقَتْلَ أَوْ نَحْوَهُ . وَكَذَلِكَ كُلُّ مُكْرَهٍ يَخَافُ ، فَإِنَّهُ يَذُبُّ
عَنْهُ الْمَظَالِمَ وَيُقَاتِلُ دُونَهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ ، فَإِنْ قَاتَلَ دُونَ
الْمَظْلُومِ فَلاَ قَوَدَ عَلَيْهِ وَلاَ قِصَاصَ ، وَإِنْ قِيلَ لَهُ
لَتَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ ، أَوْ لَتَأْكُلَنَّ الْمَيْتَةَ ، أَوْ لَتَبِيعَنَّ
عَبْدَكَ ، أَوْ تُقِرُّ بِدَيْنٍ ، أَوْ تَهَبُ هِبَةً وَتَحُلُّ عُقْدَةً ، أَوْ
لَنَقْتُلَنَّ أَبَاكَ أَوْ أَخَاكَ فِى الإِسْلاَمِ . وَسِعَهُ ذَلِكَ لِقَوْلِ
النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - « الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ » .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
" قال بن بطال ما ملخصه : مراد البخاري أن من هدد بقتل والده أو بقتل أخيه في
الإسلام إن لم يفعل شيئا من المعاصي ، أو يقر على نفسه بدين ليس عليه ، أو يهب شيئا
لغيره بغير طيب نفس منه ، أو يحل عقدا كالطلاق والعتاق بغير اختياره ، أنه
يفعل جميع ما هدد به لينجو أبوه من القتل ، وكذا أخوه المسلم من الظلم " . انتهى .
"فتح الباري" (12/339) .
وعلى ذلك : فإذا كان الزوج يرى الجد من الزوجة في التهديد بقتل نفسها ، وخاصة أنه
سبق منها ما يدل على أنها من الممكن أن تضر بنفسها ، أو تنفذ ما تقول ، فطلقها خشية
أن تنفذ وعيدها ، وهو ـ مع ذلك ـ لم يقصد إيقاع الطلاق: فالراجح أن ما حصل من زوجته
هو نوع من الإكراه الذي يمنع وقوع الطلاق .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" إذا أكره الإنسان على فعل محرم ، فهل يترتب على هذا الفعل إثم أو فدية أو كفارة ؟
الجواب : لا يترتب ، ودليل هذا قول الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم : ( مَنْ
كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ
مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ
غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) النحل/106 . فإذا كان الرجل لا
يؤاخذ في الإكراه على الكفر وهو أعظم المعاصي ، فعدم مؤاخذته في الإكراه على ما
دونه من باب أولى .
ما تقولون في رجل أجبرته زوجته على أن يطلقها ، وقالت : إما أن تطلق وإما أن تقتل
نفسها ، وهي قادرة على أن تنفذ هذا، السكين بيدها ، فطلق ، هل يقع الطلاق أو لا
؟
لا يقع الطلاق لأنه مكره .
كيف كان مكرهاً ؟
لأنها تريد أن تقتل نفسها ، وهي قادرة على أن تنفذ ، وهذا من أشد ما يكون من
الإكراه ، لذلك نقول : لا يقع الطلاق ، وهكذا جميع الأحكام لا تترتب على المكره "
انتهى باختصار .
"دروس وفتاوى الحرم المدني" (ص/ 134)
وسئل أيضا رحمه الله :
رجل تلبس بزوجته جنية تهدده بقتلها إن لم يطلقها ، فيضطر أن يتلفظ بالطلاق أحياناً
، فهل يقع ؟
فأجاب : " طلاقه طلاق مكره ، فلا يقع " انتهى .
"ثمرات التدوين من مسائل ابن عثيمين" (ص/ 114) .
والخلاصة : أن طلاق المرأة المذكور في السؤال لا يقع عليها ، لأن زوجها مكره عليه ،
غير مريد له .
والله تعالى أعلم .
يراجع جواب السؤال رقم : (99645)
.