السؤال:
لدي صديق اعتنق الإسلام ولكنه غير ملتزم ، والسؤال هو أنه أحياناً يقدم لي بعض الطعام المصنوع في بيتهم على أنه طعام حلال بالطبع ، ولكني أرفض أخذ ذلك الطعام لعلمي أن المال الذي يصرفون منه مال حرام ، لأنه أباه يقامر ويبيع الخنزير ، وهو نفسه يعلم هذه الحقيقة أيضاً ، فما رأيكم ، هل آكل من ذلك الطعام الذي يقدمه ، أو الشيء الذي يشتريه مثل الشوكولاتة - على سبيل المثال - التي يشتريها بالطبع من المال الذي يعطيه إياه والده ؟
الجواب :
الحمد لله
اختلف الفقهاء في حكم التعامل مع من اختلط ماله الحلال بالحرام ؛ من حيث البيع
والشراء وقبول الهدية وأكل الطعام ونحو ذلك ، على أقوال ، أقواها قولان :
القول الأول : أنه لا يحرم قبول هديته والتعامل معه ، وإنما يكره ، وهو معتمد مذهب
الشافعية والحنابلة ، واختاره ابن القاسم من المالكية .
قال النووي رحمه الله :
" إذا كان في مال المشتري حلال وحرام ولم يعلم من أين يوفيه الثمن لم يحرم على
الإنسان الموهوب له ، ولكن الورع تركه ، ويتأكد الورع أو يخف بحسب كثرة الحرام في
يد المشتري وقلته " انتهى من " المجموع " (9/344)
وقال ابن قدامة رحمه الله :
" إذا اشترى ممن في ماله حرام وحلال ، كالسلطان الظالم ، والمرابي ؛ فإن علم أن
المبيع من حلال ماله ، فهو حلال ، وإن علم أنه حرام ، فهو حرام ، ولا يقبل قول
المشتري عليه في الحكم ؛ لأن الظاهر أن ما في يد الإنسان ملكه ، فإن لم يعلم من
أيهما هو كرهناه ؛ لاحتمال التحريم فيه ، ولم يبطل البيع ؛ لإمكان الحلال ، قل
الحرام أو كثر ، وهذا هو الشبهة ، وبقدر قلة الحرام وكثرته تكون كثرة الشبهة وقلتها
، قال أحمد : لا يعجبني أن يأكل منه " انتهى من " المغني " (4/201)
وانظر : "الشرح الكبير" (3/277) .
القول الثاني : ينظر في الغالب على المال ، فإن غلب الحلال جاز التعامل معه ، وإن
غلب الحرام لم يحل ، وهذا مذهب الحنفية والمالكية .
قال ابن نجيم رحمه الله :
" إذا كان غالب مال المهدي حلالا فلا بأس بقبول هديته وأكل ماله ، ما لم يتبين أنه
من حرام ، وإن كان غالب ماله الحرام لا يقبلها ، ولا يأكل إلا إذا قال : إنه حلال
ورثه أو استقرضه " انتهى من " الأشباه والنظائر " (ص/96)
وذهب بعض العلماء إلى تحريم معاملة من اختلط ماله من حلال وحرام ، وقال بهذا القول
أصبغ من المالكية .
ولكن قال ابن رشد : " وقول أصبغ تشدد " انتهى من " البيان والتحصيل " (18/194) .
والراجح هو جواز معاملته وقبول هديته .
وهذا القول هو الذي يرجحه أكثر العلماء المعاصرين .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه قبل الهدية من المرأة اليهودية حينما
أهدت إليه شاة في غزوة خيبر ) و ( أجاب النبي صلى الله عليه وسلم دعوة يهودي دعاه
في المدينة على خبز شعير وإهالة سنخة ) ، وعامل اليهود بيعاً وشراء، حتى إنه عليه
الصلاة والسلام مات ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير اشتراه لأهله ، وهذا يدل على
جواز معاملة من اختلط ماله بحرام ؛ لأن اليهود كما وصفهم الله تعالى : (
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) " انتهى من " فتاوى نور على الدرب
"
وانظر جواب السؤال رقم : (39661) .
وعلى هذا فلا حرج عليك من قبول الهدية من صاحبك والأكل من طعامه .
إلا إذا كان امتناعك من هذا سيؤثر فيه وفي أبيه وسيحمله على التوبة فيجب عليك
الامتناع حينئذ .
والله أعلم .