الحمد لله
لتعلم أخي أن من سنن الله تعالى في عباده المصطفين أن يبتليهم
على قدر إيمانهم ليبين الصادق من الكاذب ، كما قال سبحانه : ( ألم * أَحَسِبَ
النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ
فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا
وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت / 1 – 3
، وأشدّ أولئك العباد بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ، كما صحّ
ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ولو تأمّل الإنسان سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجد أنه –
بأبي هو وأمي – قد أصابه من البلاء الشيءُ العظيم ، حتى نُعت بأنه كذاب وساحر
ومجنون ، ووُضع سلا جزور على ظهره ، وطرد من مكة ، وأدميت قدماه الشريفتان في
الطائف ، حاله حال الأنبياء الذين كُذِّبوا من قبله صلوات ربي وسلامه عليهم .
والشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قد أصيب بما أصيب به
العلماء والدعاة المخلصون ، لكن كانت العاقبة في النهاية للحق الذي كان يحمله ،
وأنّى للحق أن يخبو نوره أو يعفو أثره ، ولك أن تتصوّر أن يوفّق الله هذا الرجل
بغرس التوحيد في أنحاء الجزيرة العربية وأطرافها ، ويقضي على جلّ صور الشرك وأشكاله
، وهذا إن دلّ فإنما يدلّ على إخلاصه وتفانيه في دعوته فيما نحسب ، مع ما اقترن ذلك
من سداد الله له وتوفيقه إياه .
وأما أعداء الدعوة فلم يألوا جهداً في إلصاق التهم الباطلة به ،
فزعموا – وهم كاذبون – بأن الشيخ يدّعي النبوة ، وأنه ينتقص من قدر رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، وأنه يكفّر الأمة جزافاً .. إلى غير ذلك من الافتراءات التي
أُلصقت به ، ومن ينظر إلى تلك الدعاوى يعلم يقيناً أنها محض كذب وافتراء ، وكتب
الشيخ المبثوثة أكبر شاهد على ذلك ، وأتباعه من الذين استجابوا لدعوته لم يذكروا
ذلك أيضاً ، ولو كان الأمر كما ادّعى المدّعون لأبان ذلك أتباعُه ، وإلاّ كانوا له
عاقّين غير بارّين ، ولو أردت الاستفصال في هذا الأمر واستجلاء ما خفي عليك من
حقائق فعليك بالرجوع إلى كتاب " دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب"
للدكتور عبد العزيز العبد اللطيف . فإنك ستجد فيه ما يشفي تساؤلاتك بإذن الله .
أما نعت أتباعه ( بالوهابية ) فما هو إلاّ مسلسل من مسلسلات
افتراءات أعداء الدعوة فيه أيضاً ، ليحولوا الناس عن دعوة الحق ، وليبنوا بين دعوته
وبين الناس جداراً وحاجزاً يحول دون بلوغ الدعوة ، ولو تأمّلت قصة إسلام الطفيل بن
عمرو الدوسي رضي الله عنه لوجدت أحداثها تقارب ما حصل لدعوة الإمام محمد بن عبد
الوهاب .
فقد أورد ابن هشام في السيرة (1/394) أن الطفيل خرج قاصداً مكة ،
فتلقفته قريش على أبوابها وحذرته من السماع من محمد صلى الله عليه وسلم ، وأوحوا
إليه بأنه ساحر وأنه يفرّق بين المرء وزوجه ... ، فلم يزالوا به حتى عمد إلى قطن
فوضعه في أذنيه ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حدّث نفسه بأن ينزع القطن ،
ويسمع منه ، فإن كان ما يقوله حقاً قبل منه ، وإن كان ما يقوله باطلاً وقبيحاً ردّ
، فلما استمع إليه ما كان منه إلاّ أن أسلم في مكانه .
نعم أسلم بعد أن وضع القطن في أذنيه ، وهكذا ينهج المناوئون
لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب نهج قريش في الافتراء ، ذلك لأن قريشاً تدرك تمام
الإدراك أن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم تلامس شغاف القلوب والأفئدة ، وتهتدي
إليها الفطرة ، فعمدوا إلى تهويل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحولوا دون
بلوغ الناس الحق ، وهكذا نرى الذين يتكلمون على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه
يعيدون نفس الفصول والمؤامرات التي حيكت حيال الدعوة الأولى .
وعليك أخي الكريم – إن كنت تنشد الحق – أن لا تترك لتلك الدعاوى
مجالاً لسمعك وقلبك واقصد الحق في المسألة بالنظر إلى كتب الشيخ محمد ، فكتبه أعظم
دليل على كذب القوم والحمد لله .
وثمت أمرٌ آخر لطيف وهو أن اسم الشيخ هو ( محمد ) والنسبة إليه
محمدي ، أما ( وهّابي ) فهو نسبة إلى الوهّاب ، والوهاب هو الله تعالى كما قال : (
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) آل عمران
/8 .
والوهاب كما قال الزجاج في اشتقاق أسماء الله ص : 126 : " الكثير
الهبة والعطية ، وفعّال في كلام العرب للمبالغة، فالله عز وجل وهّاب يهب لعباده
واحداً بعد واحد ويعطيهم " .
ولاشك أن سبيل الوهّاب هو السبيل الحق الذي لا اعوجاج فيه ولا
افتراء ، وحزبه غالب ومفلح ( ومن يتولّ الله ورسوله فإن حزب الله هم الغالبون )
المائدة /56 ، ( أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم
المفلحون ) المجادلة/22 .
وقديماً اتهموا الشافعي بالرفض فردّ عليهم قائلاً :
إن كان رفضاً حبّ آل محمد *** فليشهد
الثقلان أني رافضي
ونحن نردّ على من يتّهمنا بالوهابية بقول الشيخ ملا عمران الذي
كان شيعياً فهداه الله إلى السنة ، قال رحمه الله :
إن كان تابع أحمد متوهّباً *** فأنا
المقرّ بأنني وهّابي
أنفي الشريك عن الإله فليس لي *** ربٌ
سوى المتفرّد الوهّاب
نفر الذين دعاهم خير الورى *** إذ
لقّبوه بساحرٍ كذّاب
( انظر : منهاج الفرقة الناجية للشيخ محمد جميل زينو ص : 142 – 143 )
والله تعالى أعلم .