الحمد لله
لا شك في تحريم تناول المخدرات ، من الحشيش والأفيون والكوكايين
والمورفين وغير ذلك ، لوجوه عديدة ، منها :
1- أنها تغيّب العقل وتخامره ، أي تغطيه ، وما كان كذلك فهو حرام
؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام ، ومن شرب الخمر
في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب لم يشربها في الآخرة ) رواه مسلم (2003) .
وروى البخاري (4087) ومسلم (1733) عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ :
بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَمُعَاذَ بْنَ
جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ شَرَابًا
يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا يُقَالُ لَهُ الْمِزْرُ مِنْ الشَّعِيرِ ، وَشَرَابٌ يُقَالُ
لَهُ الْبِتْعُ مِنْ الْعَسَلِ ، فَقَالَ : ( كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ) .
وروى البخاري (4343) ومسلم (3032) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال
: سمعت عمر رضي الله عنه على منبر النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( أما بعد ،
أيها الناس ، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة : من العنب والتمر والعسل والحنطة
والشعير ، والخمر ما خامر العقل ) .
ولا شك أن المخدرات تخامر العقل وتغيبه .
قال الحافظ ابن حجر : " واستُدل بمطلق قوله : (كل مسكر حرام) على
تحريم ما يسكر ولو لم يكن شرابا ، فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها ، وقد جزم النووي
وغيره بأنها مسكرة ، وجزم آخرون بأنها مخدرة ، وهو مكابرة ؛ لأنها تحدث بالمشاهدة
ما يحدث الخمر من الطرب والنشوة ، والمداومة عليها والانهماك فيها .
وعلى تقدير تسليم أنها ليست بمسكرة فقد ثبت في أبي داود (النهي
عن كل مسكر ومفتّر) والله أعلم " انتهى من "فتح الباري" (10/45) .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُفْتِر كُلّ شَرَاب يُورِث الْفُتُور
وَالرَّخْوَة فِي الأَعْضَاء وَالْخَدَرَ فِي الأَطْرَاف وَهُوَ مُقَدِّمَة
السُّكْر , وَنَهَى عَنْ شُرْبه لِئَلا يَكُون ذَرِيعَة إِلَى السُّكْر .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وكل ما يغيب العقل
فإنه حرام وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب ، فإن تغييب العقل حرام بإجماع المسلمين .
وأما تعاطي البنج الذي لم يسكر ، ولم يغيب العقل ففيه التعزير.
وأما المحققون من الفقهاء فعلموا أنها (أي الحشيشة) مسكرة ،
وإنما يتناولها الفجار ، لما فيها من النشوة والطرب ، فهي تجامع الشراب المسكر في
ذلك ، والخمر توجب الحركة والخصومة ، وهذه توجب الفتور واللذة ، وفيها مع ذلك من
فساد المزاج والعقل ، وفتح باب الشهوة ، وما توجبه من الدياثة : مما يجعلها من شر
الشراب المسكر ، وإنما حدثت في الناس بحدوث التتار .
وعلى تناول القليل منها والكثير حد الشرب : ثمانون سوطا ، أو
أربعون . إذا كان مسلما يعتقد تحريم المسكر " انتهى من "الفتاوى الكبرى"
(3/423) .
وقال في "السياسة الشرعية" (ص92) : " والحشيشة المصنوعة من ورق
العنب حرام أيضا يُجلد صاحبها كما يجلد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها
تفسد العقل والمزاج ، حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة وغير ذلك من الفساد . والخمر
أخبث من جهة أنها تفضي إلى المخاصمة والمقاتلة ، وكلاهما يصد عن ذكر الله تعالى وعن
الصلاة . وقد توقف بعض الفقهاء المتأخرين في حدها ورأى أن آكلها يعزر بما دون الحد
، حيث ظنها تغير العقل من غير طربٍ بمنزلة البنج . ولم نجد للعلماء المتقدمين فيها
كلاما ، وليس كذلك بل آكلوها ينشَون عنها ويشتهونها كشراب الخمر وأكثر ، وتصدهم عن
ذكر الله وعن الصلاة إذا أكثروا منها ، مع ما فيها من المفاسد الأخرى من الدياثة
والتخنث وفساد المزاج والعقل وغير ذلك . ولكن لما كانت جامدة مطعومة ليست شرابا
تنازع الفقهاء في نجاستها على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره ، فقيل : هي نجسة
كالخمر المشروبة ، وهذا هو الاعتبار الصحيح ، وقيل : لا ؛ لجمودها . وقيل : يفرق
بين جامدها ومائعها .
وبكل حال فهي داخلة فيما حرمه الله ورسوله من الخمر والمسكر لفظا
أو معنى . قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه : يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا
نصنعهما باليمن : البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد ، والمِزر وهو من الذرة والشعير
حتى يشتد قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتيمه
فقال : ( كل مسكر حرام ) متفق عليه في الصحيحين "
انتهى .
وقال أيضا : " فكيف المصر على أكل الحشيشة ، لا سيما إن كان
مستحلا للمسكر منها ، كما عليه طائفة من الناس ، فإن مثل هذا ينبغي أن يستتاب ، فإن
تاب وإلا قتل ، إذ السكر منها حرام بالإجماع ، واستحلال ذلك كفر بلا نزاع "
انتهى "الفتاوى الكبرى" (2/309) .
2- أن فيها من الأضرار العظيمة ما قد يكون أعظم من الضرر الحاصل
بشرب الخمر ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ضرر ولا ضرار ) رواه
أحمد وابن ماجه (2341) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه .
" ففيها ضرر بالشخص ذاته ، وبأسرته وأولاده ، وبمجتمعه وأمته .
أما الضرر الشخصي : فهو التأثير الفادح في الجسد والعقل معا ؛
لما في المسكر والمخدر من تخريب وتدمير الصحة والأعصاب والعقل والفكر ومختلف أعضاء
جهاز الهضم وغير ذلك من المضار والمفاسد التي تفتك بالبدن كله ، بل وبالاعتبار
الآدمي والكرامة الإنسانية ، حيث تهتز شخصية الإنسان ، ويصبح موضع الهزء والسخرية ،
وفريسة الأمراض المتعددة .
وأما الضرر العائلي : فهو ما يلحق بالزوجة والأولاد من إساءات ،
فينقلب البيت جحيما لا يطاق من جراء التوترات العصبية والهيجان والسب والشتم وترداد
عبارات الطلاق والحرام ، والتكسير والإرباك ، وإهمال الزوجة والتقصير في الإنفاق
على المنزل ، وقد تؤدي المسكرات والمخدرات إلى إنجاب أولاد معاقين متخلفين عقليا .
. .
وأما الضرر العام : فهو واضح في إتلاف أموال طائلة من غير مردود
نفعي ، وفي تعطيل المصالح والأعمال ، والتقصير في أداء الواجبات ، والإخلال
بالأمانات العامة ، سواء بمصالح الدولة أو المؤسسات أو المعامل أو الأفراد . هذا
فضلا عما يؤدي إليه السكر أو التخدير من ارتكاب الجرائم على الأشخاص والأموال
والأعراض ، بل إن ضرر المخدرات أشد من ضرر المسكرات ؛ لأن المخدرات تفسد القيم
الخلقية " انتهى من "الفقه الإسلامي وأدلته" للدكتور وهبة الزحيلي (7/5511)
.
والحاصل أن هذه المخدرات لا يستريب في حرمتها عاقل ، لدلالة
النصوص على تحريمها ، ولما فيها من أضرار بالغة .
وأما العقوبة اللازمة لمتعاطي المخدرات : فهي أن يحد حد الخمر ،
كما سبق في كلام شيخ الإسلام عن الحشيشة ، فالمخدرات داخلة فيما حرمه الله ورسوله
من الخمر والمسكر لفظا أو معنى .
والواجب على العلماء والدعاة أن يبينوا للناس تحريم هذه المخدرات
، والمضار العظيمة المترتبة عليها .
وأما سؤالك عن شارب الخمر وما جاء في عدم قبول صلاته أربعين يوما
، وعن حكم صيامه ، فقد سبق بيانه في جواب السؤال رقم (20037)
و (27143) .
والله أعلم .