الحمد لله
أولاً :
الأوامر الواردة في الشرع على ثلاثة أنواع :
الأول : أن يقترن بالأمر قرائن تدل على أن المراد به الوجوب
والفرضية , كقوله تعالى : ) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ َ) البقرة/43
فقد دلت الأدلة القطعية من الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على أن
الأمر بإقامة الصلوات الخمس للوجوب .
الثاني : أن يقترن بالأمر ما يدل على أنه ليس للوجوب , كقول
الرسول صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري ( 1183) : ( صَلُّوا قَبْلَ صَلاةِ
الْمَغْرِبِ , قَالَ فِي الثَّالِثَةِ : لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةَ أَنْ
يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً ) .
فقوله : ( لمن شاء ) دليل على أن الأمر في قوله : ( صلوا قبل
المغرب ) ليس للوجوب .
الثالث : أن يرد الأمر مجرداً عن القرائن , وهو ما يسميه العلماء
بالأمر المطلق , فلم يقترن به ما يدل على أنه للوجوب أو غيره , وحكم هذا الأمر أنه
يكون للوجوب .
ولذلك يقول العلماء : " الأمر المجرد عن القرائن يفيد الوجوب " .
وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من المذاهب الأربعة .
انظر : "شرح الكوكب المنير" (3/39) .
واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة ، من الكتاب والسنة .
أما أدلة القرآن فمنها :
1. قول الله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ
إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا )
الأحزاب/36 .
فجعل الله جل وعلا أمرَه وأمرَ رسوله مانعاً من الاختيار ، وذلك
دليل الوجوب اهـ "المذكرة" للشنقيطي (ص 191) .
2. وقوله عز وجل : ( فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ
أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )
النور/63 .
فتوعد الله تعالى المخالفين لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم
بالفتنة وهي الزيغ ، أو بالعذاب الأليم ، ولا يتوعد بذلك إلا على ترك واجب ، فدل
على أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم المطلق يقتضي الوجوب اهـ
"شرح الورقات" للفوزان (ص 59) . وقال القرطبي (12/322) :
بهذه الآية استدل الفقهاء على أن الأمر للوجوب اهـ .
3. ومن الأدلة على ذلك أيضا : قول الله سبحانه وتعالى منكراً على
إبليس عدم سجوده بعد أمره بالسجود لآدم : ( مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ
أَمَرْتُكَ ) الأعراف/12 . فَقَرَّعَ إبليسَ ووَبَّخَهُ على
مخالفة الأمر اهـ "الشنقيطي" (ص 192) بمعناه .
4. وقوله سبحانه : ( أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ) طه/93
. وقال عن الملائكة : ( لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ )
التحريم/6 . فهو دليل على أن مخالفة الأمر معصية اهـ "الشنقيطي"
(ص 192) .
5. وقوله تعالى : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا
يَرْكَعُونَ ) المرسلات /48 . وهذا ذمٌّ لهم على ترك امتثال الأمر بالركوع ، وهو
دليل الوجوب اهـ "الشنقيطي" (ص 191) .
وأما أدلة السنة على أن الأمر المطلق للوجوب ، فكثيرة :
منها :
1. قصة بريرة لما عتقت واختارت فسخ النكاح من زوجها وكان عبدا ،
وكان زوجها يحبها ، وكان يمشي خلفها في طرق المدينة ودموعه تسيل على خده يترضاها
لترجع إليه فلم تفعل ، فشفع له النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال لها : كما رواه
أبو داود (2231) يَا بَرِيرَةُ ، اتَّقِي اللَّهَ ، فَإِنَّهُ زَوْجُكِ ، وَأَبُو
وَلَدِكِ . فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَأْمُرُنِي بِذَلِكَ ؟ قَالَ : لا
، إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ . قَالَتْ : لا حَاجَةَ لِي فِيهِ . صححه الألباني
في صحيح أبي داود (1952) . ورواه البخاري (5283) بلفظ آخر .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وإنما قالت : (أتأمرني ؟)
لما استقر عند المسلمين أن طاعة أمره واجبة اهـ الفتاوى (1/317)
.
2. ومن أدلة السنة أيضاً : قول النبي صلى الله عليه وسلم : (
لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لأَمَرْتُهُمْ
بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ ) رواه البخاري (887) ومسلم (252) .
قال الحافظ في الفتح : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الأَمْر
لِلْوُجُوبِ مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدهمَا : أَنَّهُ نَفَى الأَمْر مَعَ ثُبُوت النَّدْبِيَّة ,
وَلَوْ كَانَ لِلنَّدْبِ لَمَا جَازَ النَّفْي .
ثَانِيهمَا : أَنَّهُ جَعَلَ الأَمْر مَشَقَّة عَلَيْهِمْ ،
وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّق إِذَا كَانَ الأَمْر لِلْوُجُوبِ , إِذْ النَّدْب لا
مَشَقَّة فِيهِ ، لأَنَّهُ جَائِز التَّرْك اهـ .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله : وأمر الله ورسوله إذا أطلق كان
مقتضاه الوجوب اهـ . الفتاوى (22/29) .
ثانياً :
لا تعارض بين هذه القاعدة : ( الأصل في الأمر أنه للوجوب ) وبين
قوله صلى الله عليه وسلم : ( إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ ،
وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) رواه
البخاري (7288) ومسلم (1337) إذ غاية ما فيه أنه قيد امتثال الأمر
بالاستطاعة ، وهذا من رحمة الشريعة وكمالها ، وليس هذا خاصا بأمر الرسول صلى الله
عليه وسلم ، بل أمر الله تعالى مقيد بالاستطاعة كذلك ، كما قال سبحانه : (
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن/16 ، وقال : ( لا يُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ) البقرة/286 .
قال النووي رحمه الله في شرح مسلم : " قوله صلى الله عليه وسلم :
( فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ) : هذا من قواعد الإسلام المهمة ومن
جوامع الكلم التي أعطيها صلى الله عليه وسلم ، ويدخل فيها ما لا يحصى من الأحكام ،
كالصلاة بأنواعها ، فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها ، أتى بالباقي ، وإذا
عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل ، غسل الممكن ، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء
لطهارته أو لغسل النجاسة ، فعل الممكن ، وإذا وجد ما يستر بعض عورته ، أو حفظ بعض
الفاتحة ، أتى بالممكن ، وأشباه هذا غير منحصرة ، وهي مشهورة في كتب الفقه ،
والمقصود التنبيه على أصل ذلك " انتهى باختصار .
وقد قال الله تعالى في الحج الذي هو ركن من أركان الإسلام ، ومن
أعظم فرائضه : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ
إِلَيْهِ سَبِيلاً ) آل عمران/97 .
وبناء على ما سبق فإن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعفاء
اللحية وتوفيرها ، يدل على الوجوب والفرضية ، لأن الأصل في الأمر أنه يفيد الوجوب ،
ولم توجد قرينة تصرفه عن ذلك ، وانظر تفصيل الكلام على مسألة إعفاء اللحية ، في
جواب الأسئلة (1189) ، (8196)
، (48960) .
والله أعلم .