الحمد لله
أولا :
جاء الأمر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصلاة العشرين ركعة عن
أربعة من التابعين ، وهذه رواياتهم :
1- عن السائب بن يزيد أنه قال : ( أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ جَمَعَ النَّاسَ فِي رَمَضَانَ عَلَى أُبَيِّ بنِ كَعبٍ
وَعَلَى تَمِيمٍ الدَّارِيِّ عَلَى إِحدَى وَعِشرِينَ رَكعَةً ، يَقرَؤُونَ
بِالمِئِينَ ، وَيَنصَرِفُونَ عِندَ فُرُوعِ الفَجرِ )
رواه عن السائب جماعة من الرواة : ومنهم من يذكر ( العشرين ) أو
( إحدى وعشرين ) أو ( ثلاث وعشرين ) وهم :
محمد بن يوسف ابن أخت السائب عن السائب : كما عند عبد الرزاق في
"المصنف" (4/260) من رواية داود بن قيس وغيره عنه .
ويزيد بن خصيفة : أخرجه ابن الجعد في "المسند" (1/413) ، ومن
طريقه البيهقي في السنن (2/496)
والحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب : أخرجه عبد الرزاق في
"المصنف" (4/261)
فهذه روايات صحيحة من رواة ثقات عن السائب بن يزيد ، وفيها ذكر
العشرين ركعة في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، والزيادة في رواية ( إحدى وعشرين
) أو ( ثلاث وعشرين ) إنما هو باعتبار القيام مع الوتر .
2- عن يزيد بن رومان قال : ( كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي
زَمَانِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فِي رَمَضَانَ بِثَلاثٍ وَعِشرِينَ رَكعةً )
رواه عنه مالك في "الموطأ" (1/115) ، وقال النووي في "المجموع"
(4/33) : " مرسل ، فإن يزيد بن رومان لم يدرك عمر " انتهى .
3- عن يحيى بن سعيد القطان : ( أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ
أَمَرَ رَجُلا يُصَلِّي بِهِم عِشرِينَ رَكعَةً )
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (2/163) عن وكيع عن مالك به ،
ولكن يحيى بن سعيد لم يدرك عمر .
4- عن عبد العزيز بن رفيع قال : ( كَانَ أُبَيُّ بنُ كَعبٍ
يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي رَمَضَانَ بِالمَدِينَةِ عِشرِينَ رَكعَةً ، وَيُوتِرُ
بِثَلاثٍ )
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (2/163) .
وبمجموع هذه الروايات يتبين أن العشرين ركعة كانت هي السنة
الغالبة على التراويح في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ومثل صلاة التراويح أمر
مشهور يتناقله الجيل وعامة الناس ، ورواية يزيد بن رومان ويحيى القطان يعتبر بهما
وإن كانا لم يدركا عمر ، فإنهما ولا شك تلقياه عن مجموع الناس الذين أدركوهم ، وذلك
أمر لا يحتاج إلى رجل يسنده ، فإن المدينة كلها تسنده .
قال الإمام الترمذي رحمه الله في سننه (3/169) :
" وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ
وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ
وَالشَّافِعِيِّ .
وقَالَ الشَّافِعِيُّ وَهَكَذَا أَدْرَكْتُ بِبَلَدِنَا
بِمَكَّةَ يُصَلُّونَ عِشْرِينَ رَكْعَةً .
وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (2/69) :
" وروي عشرون ركعة عن علي ، وشتير بن شكل ، وابن أبي مليكة ،
والحارث الهمداني ، وأبي البختري ، وهو قول جمهور العلماء ، وبه قال الكوفيون
والشافعي وأكثر الفقهاء ، وهو الصحيح عن أبي بن كعب ، من غير خلاف من الصحابة ،
وقال عطاء : أدركت الناس وهم يصلون ثلاثا وعشرين ركعة بالوتر " انتهى
.
وانظر ذلك مسندا في "مصنف ابن أبي شيبة" (2/163)
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى "مجموع الفتاوى" (23/112) :
" ثبت أن أُبَىَّ بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة فى قيام
رمضان ، ويوتر بثلاث ، فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة ؛ لأنه أقامه بين
المهاجرين والانصار ولم ينكره منكر ، واستحب آخرون تسعة وثلاثين ركعة ، بناء على
أنه عمل أهل المدينة القديم " انتهى .
أما ما جاء من رواية الإمام مالك ويحيى القطان وغيرهما عن محمد
بن يوسف عن السائب بن يزيد في "الموطأ" (1/115) وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (2/162)
بلفظ : ( إحدى عشرة ركعة ) فهو محمول على أنه كان في بداية الأمر ، ثم خُفِّفَ بعدُ
على الناس ، فزاد عمر الركعات إلى عشرين ليخفف على الناس القراءة في القيام .
قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (2/68) :
" إلا أنه يحتمل أن يكون القيام في أول ما عمل به عمر بإحدى عشرة
ركعة ، ثم خفف عليهم طول القيام ، ونقلهم إلى إحدى وعشرين ركعة ، يخففون فيها
القراءة ويزيدون في الركوع والسجود ، إلا أن الأغلب عندي في إحدى عشرة ركعة الوهم ،
والله أعلم " انتهى .
ويقول ابن تيمية رحمه الله "مجموع الفتاوى" (23/113) :
" وأُبَىٌّ بن كعب لما قام بهم وهم جماعة واحدة لم يمكن أن يطيل
بهم القيام ، فكثر الركعات ليكون ذلك عوضا عن طول القيام ، وجعلوا ذلك ضعف عدد
ركعاته ، فإنه كان يقوم بالليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ، ثم بعد ذلك كأن الناس
بالمدينة ضعفوا عن طول القيام ، فكثروا الركعات ، حتى بلغت تسعا وثلاثين "
انتهى .
ثانيا :
صلاة الليل الباب فيها واسع ، وهي غير محصورة بعدد ، فمن شاء
قامها بإحدى عشرة ركعة ، ومن شاء زاد أو نقص ، وكذلك صلاة التراويح في رمضان .
يقول ابن تيمية رحمه الله "مجموع الفتاوى" (23/113) :
" وقال طائفة : قد ثبت فى الصحيح عن عائشة ( أن النبى لم يكن
يزيد فى رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة ) واضطرب قوم فى هذا الأصل ؛ لما ظنوه
من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين وعمل المسلمين .
والصواب أن ذلك جميعه حسن ، كما قد نص على ذلك الامام أحمد رضى
الله عنه ، وأنه لا يتوقت فى قيام رمضان عدد ، فان النبى لم يوقت فيها عددا "
انتهى .
ويقول الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى "مجموع الفتاوى" (11/322) :
" وثبت عن عمر رضي لله عنه أنه أمر من عين من الصحابة أن يصلي
إحدى عشرة ، وثبت عنهم أنهم صلوا بأمره ثلاثا وعشرين ، وهذا يدل على التوسعة في ذلك
، وأن الأمر عند الصحابة واسع ، كما دل عليه قوله عليه الصلاة والسلام : ( صلاة
الليل مثنى مثنى ) " انتهى
وانظر جواب السؤال رقم (9036)
(38021)
والله أعلم .